نحن جميعًا خلقنا للجنة ـ وأنا مضطر أن أذكر هذا المثل ـ نحن جميعًا خلقنا للجنة والدليل قوله تعالى:
* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) *
(سورة هود)
خلقهم ليرحمهم ، خلقهم ليسعدهم ، ولكن الجنة التي خلقنا من أجلها لها طرائق بعدد أنفاس الخلائق ، فقد تدخل الجنة بدعوة إلى الله ، أو بتأليف ، أو بخدمة ، أو بطب تبتغي به وجه الله ، أو بهندسة تبتغي بها وجه الله ، أو بتعليم تبتغي به وجه الله ، أو بحرفة تبتغي بها وجه الله ، تصميم المجتمع المسلم أيها الأخوة رائع ، كل حرفة إذا كانت في الأصل مشروعة ، وسلك صاحبها الطرق المشروعة ، وابتغى بها كفاية نفسه وأهله وخدمة المسلمين والتخفيف عنهم ، ولم تشغله عن طاعة ، ولا عن فريضة ، ولا عن عبادة ، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة ، فيمكن أن تصل إلى الجنة من أي طريق ، فالذي يتفوق بالأمور العملية ينبغي أن يطلق إلى أمر عملي ، والذي يتفوق في الأمور النظرية ينبغي أن يدفع إلى اختصاص نظري ، والذي نجد به ضعفًا عامًا ينبغي أن لا نزعجه ولا نتعبه في ضعفه وفي تقصيره ، المقصر نزعجه ، أما إذا كانت الإمكانيات ضعيفة جدًا لا ينبغي أن نحمله ما لا يطيق وهذا من الرحمة .
أيها الأخوة ، لا نفلح في تربية أولادنا ، ولا في تربية طلابنا ، ولا في تربية طلاب العلم في المسجد إلا إذا عُرِفت الفروق الفردية ، هناك ملمح دقيق في السنة ، النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكلف صحابيًا بعمل فعرضوا عليه اسم أحد الصحابة ، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس هناك ـ أي لا يصلح لهذا العمل ـ وكأن النبي المربي الخبير يعرف إمكانيات كل صحابي ، مثلًا هناك إنسان عنده ذكاء اجتماعي هذا إذا أرسلته بمهمة اجتماعية يفلح ، لطيف ، لبق ، مرن ، يعتذر ، يرضي من حوله ، لا يزعجهم ، يوجد إنسان عنده تفوق مالي هذا ينفق وذاك يفاوض ، هناك إنسان عنده خبرة عملية هذا نستعين بخبرته ، إنسان عنده وجاهة نستعين بوجاهته ، إنسان عنده مال نستعين بماله ، فكل إنسان يُمكِّنُه الله من شيء ، وهذا الشيء يمكن أن يُبتغى به وجه الله عز وجل .
لذلك أن تكتشف ميول ابنك في وقت مبكر ، أو أن تكتشف إما مباشرةً ، أو عن طريق اختصاصيين أن هذا الابن ما بنيته الفكرية ؟ ما بنيته النفسية ؟ ما قدراته الخاصة ؟ هناك قدرات خاصة عالية جدًا ، درسنا في الجامعة مئة قدرة خاصة بالإنسان ، تجد شخصًا عنده قوة إقناع عجيبة يقلب الحق باطلًا والباطل حقًا ، هذه قدرة .
مرة أب جاء ابنه من بلاد الغرب وقد حمل شهادة عليا في الفلسفة ، فالأب مع الأم جالسان على مائدة وعليها فروجان ، فقال ابنهما: يا أبت أنا أستطيع أن أقنعك بالدليل أن هذين الفروجين هم