أيها الأخوة الكرام ، لازلنا في سلسلة من دروس تربية الأولاد في الإسلام ، بل لازلنا في السلسة الثانية التي تتعلق بالوسائل الفعالة التي يمكن أن تربي بها ابنك إن كنت أبًا أو تلميذك إن كنت معلمًا .
تحدثنا عن التربية بالقدوة ، ثم تحدثنا عن التربية بالتلقين والتعويد ، وها نحن أولاء ننتقل إلى أسلوب ثالث هو التربية بالموعظة ، ولكن قبل أن أتابع الحديث لا بد من وقفة عند كلمة الموعظة .
أيها الأخوة ، لا تبدو هذه الكلمة محببة إلى الناس أحيانًا مع أنها جاءت في القرآن الكريم قال تعالى:
* وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) *
( سورة النساء: الآية 63)
وقال:
* وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (13) *
( سورة لقمان)
ما الذي جعل هذه الكلمة تفقد بريقها في هذا العصر ؟ ولماذا كانت كلمةً رائعةً جدًا في نصوص القرآن الكريم وفي السنة المطهرة ؟ السبب بسيط .
أيها الأخوة ، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة ، الطغاة جاؤوا بطائرات وصواريخ وقنابل نووية وأقمار صناعية وحاملات طائرات ومدمرات ، الطغاة جاؤوا بأسلحة فتاكة فرضوا بها إرادتهم على بقية الشعوب ، الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ بشكل مختصر جاؤوا بمخترعات ؟ لا ، جاؤوا بالكلمة لكن بالكلمة الصادقة ، بالكلمة التي تعبر عن واقع ، بالكلمة التي تعبر عن معاناة ، بالكلمة التي تعبر عن تجربة ، جاؤوا بكلمة مفعمة بالصدق ، جاؤوا بكلمة مفعمة بالصدق والإخلاص ، جاؤوا بكلمة ليس بينها وبين واقع المتكلم أية مسافة ، المسافة منعدمة بين كلمة الواعظ وبين واقع الواعظ ، لذلك كان لهذه الكلمة شأن كبير ، والله عز وجل يقول:
* مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (25) *
( سورة إبراهيم)
بالمقابل يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ) ).
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية وكانت قصيرةً إنها قصيرة ، قال:
(( لقد قلت كلمةً لو مزجت بمياه البحر لمزجته . ) )