[أبو داود عن عائشة رضي الله عنها]
الأنبياء جاؤوا بالكلمة فقط ، ولكن هذه الكلمة مشحونة بكم هائل من الصدق ، من الإخلاص ، من الواقعية ، لذلك بالكلمة قلبوا وجه التاريخ ، بالكلمة غيروا المفهومات في العالم ، بالكلمة نشروا الفضيلة في شتى بقاع الأرض ، الآن لعل الناس كفروا بالكلمة أصلًا لأنه يوجد حالات جديدة ، الكلام عكس الواقع ، الكلام في واد والواقع في واد ، الذي يعظ لا يتعظ ، والذي يلقي مواعظه لا يتأثر بها ، والذي يأمر لا يأتمر ، والذي ينهى لا ينتهي ، نشأت حالة يمكن أن نسميها انفصال شخصية ، في موقف معلن وموقف حقيقي ، في شيء تفعله في خلوتك لا تفعله في جلوتك ، في شيء تكنه في مكنونك لا تبوح به في كلامك ، هذه الازدواجية سقطت معها الموعظة ، لذلك أي متكلم في أي مكان ، في الجامعة ، في المسجد ، في درس ، في محاضرة ، يقول لك: أنا لا أعظ ، وكأنه يستحي بأن يعظ ، أنا لا أعظكم أنا أتكلم بالواقع ، أنا أتكلم بتفكير مفتوح ، أنا أتكلم بتفكير مسموع .
لأن كلمة الموعظة فقدت مدلولها ، طبعًا هذه حقيقة ، في اللغة الكلمة كالكائن الحي تولد وتنمو وتترعرع وتشيخ وتموت ، وقد تولد في حالة وتنتقل إلى حالة ، من منكم يطرب لكلمة استعمار ؟ لا أحد ، لأن كلمة استعمار معناها أن قوة غاشمة احتلت أرضًا ونهبت الثروات وقهرت الأمة وأذلتها وجعلت أعزة أهلها أذلة ، هذا معنى كلمة استعمار ، لكن الله عز وجل قال:
* وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61) *
( سورة هود)
الاستعمار يعني إعمار الأرض ، أرض فيها منشآت ، فيها مستشفيات ، فيها معاهد ، فيها جامعات ، فيها طرق ، فيها أبنية سكنية جميلة ، فيها حدائق ، فيها متنزهات ، هذا معنى الاستعمار لغويًا ، لكن هذه الكلمة ولدت رائعة ، ثم أخذت مفهومات أخرى فأصبحت منفرة كذلك كلمة عصابة ، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر رفع يديه إلى السماء داعيًا ربه قال:
(( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ ) ).
[مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]
العصابة في أصل اللغة جماعة الخير ، أما هي الآن جماعة اللصوص ، اختلف المعنى ، ما معنى كلمة جرثومة ؟ أصل الشيء ، شاعر كبير يمدح خليفة عظيمًا يقول له: أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب ، لو أن الخليفة فهم معناها كما نفهمها اليوم لقطع رأسه فقبلها كمديح ، الجرثومة أصل الشيء .
الكلمة أحيانًا تولد وتنمو وتترعرع ثم تهرم وتشيخ وتموت ، أنا فيما أرى ـ مع التحفظ ـ كلمة الموعظة كلمة قرآنية ونبوية ورائعة وعظيمة ، وهي التي جاء بها الأنبياء ، ولكن لأن الناس في هذا