فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 129

فاليعقوبيِّة، ويسمَّون الآن [أرثودكس] ، ظهروا في أواسطِ القرنِ السادسِ المسيحيِّ، وهم أسبقُ من النَّسطورية قالوا: انقلبت الإلهيِّة لحمًا ودمًا فصارَ الإله هو المسيحُ فلأجلِ ذلكَ صدرت عن المسيحِ خوارق العادات من إحياءِ الموتى وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ فأشبه صُنعهُ صُنعَ الله تعالى مما يَعجزُ عنه غيرَ الله تعالى. وكانَ نصارى الحبشةِ يعاقبة].

وقالَ [والنَّسطوريِّة قالت: اتَّحدت الكلمةُ بجسدِ المسيحِ بطريقِ الإشراقِ كما تُشرقُ الشمسُ من كوَّةٍ من بِلَّورٍ، فالمسيحُ إنسانٌ، وهوَ كلمةُ الله، فلذلكَ هوَ إنسانٌ إلهٌ، أو هوَ له ذاتيتانِ ذاتٌ إنسانيِّةٌ وأخرى إلهيِّةٌ، وقد أُطلِقَ على الرئيسِ الدينيِّ لهذهِ النِّحلة لقبُ [جاثليق] .

وكانت النِّحلة النَّسطوريِّة غالبةٌ على نصارى العرب , وكانَ رهبانُ اليعاقبةِ ورهبانُ النسطورييِّن يتسابقونَ لبثِّ كلِّ فريقٍ نحلتَه بينَ قبائلِ العربِ. وكانَ الأكاسرةُ حماةٌ للنَّسطوريِّة. وقياصرةُ الرومِ حماةٌ لليعقوبيِّة. وقد شاعت النَّصرانيِّة بنحلتيها في بكرٍ، وتغلبٍ، وربيعةَ، ولخمٍ، وجذامٍ، وتنوخٍ، وكلبٍ، ونجرانَ، واليمن، والبحرين. وقد بسطتُ هذا ليُعلَمَ حُسنُ الإيجازِ في قولهِ تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} [1] وإتيانهِ على هذهِ المذاهبِ كلِّها. فللهِ هذا الإعجازِ العلميِّ] [2] .

ثم جاءَ -رحمه الله- بكلامٍ مفصّلٍ عن عقيدةِ التثليثِ عند النَّصارى , فقالَ: [وقوله: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} أي لا تنطقوا بهذهِ الكلمة، ولعلَّها كانت شعارًا للنَّصارى في دينهم ككلمةِ الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارةُ إلى التثليثِ بالأصابعِ الثلاثةِ: الإبهام والخنصر والبنصر , والمقصودُ من الآية النهيُّ عن النطقِ بالمشتهرِ من مدلولِ هذهِ الكلمة وعن الاعتقادِ , لأنَّ أصلَ الكلامِ الصدق , فلا ينطق أحدٌ إلا عن اعتقاد، فالنهيُّ هنا كناية بإرادة المعنى ولازمه , والمخاطب بقوله: {وَلَا تَقُولُوا} خصوص النَّصارى , وثلاثةٌ , خبر مبتدأ محذوفٍ كانَ حذفُه ليصلُح لكلِّ ما يصلُح تقديره من مذاهبهم من التثليث، فإنَّ النَّصارى اضطربوا في حقيقةِ تثليثِ الإله كما سيأتي، فيُقدَّرُ المبتدأ المحذوف على حسبِ ما يقتضيه المردودُ من أقوالهم في كيفيِّة التثليثِ مما يصحُ الإخبارُ عنه بلفظ ثلاثة من الأسماءِ الدالَّةِ

(1) سورة النساء , الآية: 171

(2) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 56 - 57

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت