الإنجيلِ إطلاقُ الكلمة على المسيح، فأرادوا أنَّ المسيحَ مَظهرُ علمِ الله، أي أنَّه يعلمُ ما علِمَهُ الله ويُبلِّغُهُ، وهو معنى الرسالة إذ كانَ العلمُ يومَ تدوين الأناجيل مكلَّلًا بالألفاظِ الاصطلاحيِّة للحكمةِ الإلهيِّةِ الروميِّة، فلمَّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهرِ فاعتقدوا أنَّ الأربابَ ثلاثةٌ وهذا أصلُ النَّصرانيِّة، وقاربوا عقيدةَ الشركِ ثم جرَّهم الغلو في تقديس المسيحِ فتوهموا أنَّ علمَ الله اتحدَّ بالمسيح، فقالوا: إنَّ المسيحَ صارَ ناسوته لاهوتًا، باتحادِّ أقنوم العلمِ به، فالمسيحُ جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدةُ الحلول، أي حلولُ الله في المسيحِ بعباراتٍ متنوِّعة، ثم اعتقدوا اتحادَّ الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح.
هذا أصلُ التثليثِ عند النَّصارى، وعنه تفرعت مذاهبٌ ثلاثةٌ أشارَ إلى جميعها قوله تعالى:
{وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} وقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [1] وقوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وكانوا يقولونَ: في عيسى لاهوتيِّة من جهةِ الأبِ وناسوتيِّة- أي إنسانيِّة- من جهةِ الأمِّ] [2] .
(1) سورة المائدة , الآية: 17
(2) ابن عاشور , مرجع سابق , 6/ 55 - 56.