فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 129

حاصلُ هذه التعريفاتِ اللُّغويِّة أنَّ المعنى لكلمة [شُبْهة] هو الالتباس والخلط والتماثل , كما أنَّ الشبهة في المعنى الاصطلاحي لها عدة معانٍ , فمنها -مثلًا- الحدُّ الفاصلُ بينَ الحلالِ والحرام كما جاء في الحديث الصحيح عن النُّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"الحلالُ بيِّنٌ والحرام بيِّنٌ وبينهما أمور مشتبهةٌ" [1] , وهو الالتباسُ في الحكم التكليفيِّ [2] , هل هو من قبيلِ الحرامِ أم من الحلال!!؟ ولذلك نهانا عليه الصلاة والسلام من الاقترابِ للأمور المشتبهة خشية الوقوعِ في الحرام.

ومن معاني الشبهة -أيضًا- ما يردُ على القلبِ من الخواطرِ التي تحول بينه وبين معرفة الحقِّ , وتسمّى بالشبهة العقدية , وقد أحسنَ الإمام ابن القيِّم -رحمه الله- عندما تحدث عنها بقوله: [والشبهة واردٌ يردُ على القلبِ يحولُ بينهُ وبينَ انكشافِ الحقِّ له فمتى باشرَ القلبُ حقيقةَ العلمِ لم تؤثِّر تلك الشُّبهة فيه بل يقوى علمهُ ويقينهُ بردِّها ومعرفةِ بطلانِها ومتى لم يباشر حقيقةَ العلمِ بالحقِّ قلبُه قدحت فيه الشكّ بأولِ وهلةٍ فان تداركها وإلا تتابعت على قلبِه أمثالُها حتى يصير شاكًا مرتابًا] [3] .

وهذا النوعُ هو ما وقع فيه النَّصارى في دينهم , حيثُ تواردت الشُّبُهات على قلوبهم فلم يهتدوا إلى ردِّها سبيلًا , حينًا جهلًا وحينًا عملًا مقصودا , فضلوا وأضلوا وانحرفوا عن دينهم انحرافًا كبيرا , ولو أنَّهم باقون على دينهم الصحيحِ الذي جاءهم به عيسى - عليه السلام - لما رفضوا الإسلامَ ومتابعة نبيِّ الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم , لأنَّ الله أخبرنا في القرآن الكريم أنَّ عيسى قد بشَّر بني إسرائيل بأنَّ الله مرسلٌ رسولًا من بعده فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [4] , لكنَّهم حرَّفوا كثيرًا ممّا كانَ

(1) صحيح البخاري , كتاب بدء الوحي , باب الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشبهات , حديث رقم 2051 , حسب ترقيم فتح الباري.

(2) الأحكام التكليفية عدها بعضهم خمسة"الإباحة والإيجاب والندب والكراهة والتحريم , انظر كتب أصول الفقه للاستزادة."

(3) ابن القيم , مفتاح دار السعادة , (بيروت: دار الكتب العلمية) 1/ 140.

(4) سورة الصف , الآية: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت