فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 129

قالَ تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [1] .

زعمَ النَّصارى أنَّ الله اتخذَ عيسى ابنًا له - تعالى الله عما يقولونَ علوًا كبيرًا- وذلكَ لأنَّ عيسى - عليه السلامُ - ولِدَ من غيرِ أبٍ على غيرِ جري العادةِ , فغلوا فيه وادَّعوا بأنَّه ابنٌ لله , وهذهِ الشُّبهة والفرية على الله من أعظمِ الفرى , وأصرحِ الكذب , لأنَّ اللهَ جلَّ وعلا أحدٌ فردٌ صمد , لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكن له كفُوًا أحد , ولم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا , وكُلُّ من في السمواتِ والأرضِ عبادٌ له , لا حاجةَ لهُ عندهم , بل هم الضُعفاءُ المحتاجونَ , الفقراءُ الذليلون , ولهذا وقفَ ابنُ عاشورٍ -رحمه الله - عندَ هذهِ الآيتينِ وقفةً جازمةً حازمةً يردُّ فيها على هذا الزعمِ الباطلِ , ويُفنِّدُ هذهِ الشُّبهةِ الداحضةِ , مستدلًا بما جاءَ فيها من المفردات البليغة.

قالَ ابنُ عاشورٍ:] ووصْفُ الله تعالى ببديعِ السماواتِ والأرض مرادٌ به أنَّه بديعُ ما في السماواتِ والأرضِ من المخلوقاتِ وفي هذا الوصفِ استدلالٌ على نفي بنوَّة من جعلوه ابنًا لله تعالى لأنَّه تعالى لمَّا كانَ خالقُ السماواتِ والأرض وما فيهما، فلا شيء من تلكَ الموجوداتِ أهلٌ لأن يكونَ ولدًا له بل جميعُ ما بينهما عبيدٌ لله تعالى كما تقدَّمَ في قولهِ: {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ولهذا رتَّبَ نفي الولدِ على كونهِ {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} في سورةِ الأنعامِ بقولهِ {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [2] .

وقولهُ {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إلخ , كشفٌ لشبهةِ النَّصارى واستدلالٌ على أنَّه لا يتخذ ولدًا بل يُكوِّنُ الكائناتِ كلَّها بتكوينٍ واحدٍ وكلُّها خاضعةٌ لتكوينهِ وذلكَ أنَّ النَّصارى توهموا أنَّ مجيءَ المسيح من غيرِ أبٍ دليلٌ على أنَّه ابن الله فبيّنَ الله تعالى أنَّ تكوينَ أحوال الموجوداتِ من لا شيء أعجبُ من ذلكَ وأنَّ كلَّ ذلكَ راجعٌ إلى التكوينِ والتقديرِ , سواءٌ في ذلكَ ما وُجِدَ بواسطةٍ تامةٍ أو ناقصةٍ أو بلا

(1) سورة البقرة , الآيتان: 116,117

(2) سورة الأنعام , الآية: 101

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت