فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 129

واسطة , قالَ تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [1] .فليسَ تخلُّق عيسى من أُمٍّ دونَ أبٍ بموجبٍ كونهُ ابن الله تعالى.

و] كانَ [في الآيةِ تامَّة لا تطلب خبرًا أي يقول له: إيجد فيوجد. والظاهرُ أنَّ القولَ والمقولَ والمسبِّبَ هنا تمثيلٌ لسرعةِ وجودِ الكائناتِ عندَ تعلُّق الإرادةِ والقدرةِ بهما بأن شبَّه فعلَ الله تعالى بتكوينِ شيء وحصول المكوَّن عقب ذلكَ بدونِ مهلةٍ بتوجه الآمر للمأمورِ بكلمة الأمر وحصول امتثاله عقب ذلكِ لأنَّ تلكَ أقربُ الحالاتِ المتعارفة التي يمكن التقريبُ بها في الأمور التي لا تتسع اللغة للتعبير عنها [اهـ[2] .

وحاصلُ كلام الإمامِ ابن عاشور على هاتينِ الآيتينِ هو بيانُ زيفِ هذا الزعمِ الباطل , والردُّ على هذه الشُّبهةِ , وبيّنَ - رحمه الله - أنَّ قوله جلَّ وعلا: ... {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لها من الدلائلِ والمعاني ما يُفيدُ بأنَّه الخالقُ لكلِّ شيءٍ , وهذا وصفٌ يُستدلُ به على نفي أن يتخذَ الله ولدًا من خلقهِ , فلا شيءَ منهم أهلٌ لأن يكونَ ولدًا له , بل كلُّ الخلقِ له عبيد.

وللإمامِ القُرطبيُّ - رحمه الله - كلامٌ جميلٌ فيه - أيضًا - ردٌ على هذه الشُّبهةِ , فقالَ:] قوله تعالى:

{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} هذا إخبارٌ عن النَّصارى في قولهم {الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} . قوله {سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ} الآية. خرَّجَ البُخاريُّ عن ابن عباسٍ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (قَالَ اللهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا) [3] .... (سبحانَ) منصوبٌ على المصدرِ، ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة، من قولهم ... {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} ، بل هوَ الله تعالى واحدٌ في ذاته، أحدٌ في صفاته، لم يلدْ فيحتاج إلى صاحبة ... ولم يولدْ فيكون مسبوقًا، جلَّ وتعالى عمَّا يقولُ الظالمونَ والجاحدونَ علوًَّا كبيرًا! {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [ما] رفعٌ بالابتداء والخبرُ في المجرورِ،

(1) سورة آل عمران , الآية: 59.

(2) ابن عاشور , مرجع سابق 1/ 687 - 688.

(3) صحيح البخاري , كتاب بدء الوحي , حديث رقم 4482.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت