فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 129

أي كلُّ ذلكَ له ملك بالإيجادِ والاختراع. والقائلُ بأنَّه اتخذَ ولدًا داخلٌ في جملةِ السمواتِ والأرضِ. لا يكون الولدُ إلا من جنسِ الوالدِ، فكيفَ يكونُ للحقِّ سبحانه أن يتخذَ ولدًا من مخلوقاته وهوَ لا يشبهه شيءٌ!!؟ وقد قالَ {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [1] فالولديِّةُ تقتضي الجنسيِّة والحدوث. والقدم يقتضى الوحدانيِّة والثبوت. فهوَ سبحانه القديمُ الأزليُّ الواحدُ الأحد، الفردُ الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ثم إنَّ البنوَّة تنافى الرق والعبوديِّة ... فكيفَ يكونُ ولدٌ عبدًا!!؟ هذا محالٌ، وما أدَّى إلى المحالِ محال [اهـ[2] .

وبالنظرِ إلى نصوصِ الإمامين - رحمهما الله - نجدُ أنَّهما قد تقاربا في طريقةِ الردِّ حيث استعملا اللغة - وهم من أربابها - وما تقتضيه في نقضِ هذهِ الشُّبهةِ. هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى: فقد نفى ابنُ عاشورٍ هذا الزعم , بدلالةِ أنَّ اللهَ هوَ الخالقُ , وأنَّه سبحانه وتعالى إذا أرادَ شيئًا قالَ له كنْ فيكون , ولمَّا كانَ عجبُ النَّصارى من عيسى عليهِ السلامُ وكيفَ جاءَ من غيرِ أبٍ , استدلَّ بقولهِ تعالى الذي يُبيِّنُ فيه أنَّ خلْق آدمَ أبي البشرِ عليه السلامُ أعجبُ من خلقِ عيسى لأنَّه خُلِقَ من غيرِ أبٍ ولا أُمٍّ بل خلقهُ الله عزَّ و جلَّ من تراب.

أمَّا القُرطبيُّ فقد نفى هذا الزعمَ بطريقةٍ أخرى مغايرةٍ لطريقةِ ابنِ عاشورٍ , حيثُ بيَّن - رحمه الله - أنَّ الله جلَّ وعلا ليسَ بحاجةٍ لأحدٍ من خلقهِ حتى يتخذَ منهم ولدًا , وبيَّنَ أنَّ الولد لا يكونُ إلا من جنسِ الوالدِ , والله ليسَ له شبيهٌ من خلقه , ثم استدلَّ بكلامٍ متينٍ وهوَ أنَّ الولديِّةَ تقتضي الجنسيِّة والحدوث , والقِدَم يقتضي الوحدانيِّة والثبوت , فهوَ سبحانه القديمُ الأزليُّ الواحدُ. والبنوَّة تنافي العبوديِّة , ولا يكونُ العبدُ ولدًا.

(1) سورة مريم , الآية: 93

(2) القرطبي , أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي ,"الجامع لأحكام القرآن"ط1, (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1422هـ - 2002 م) 2/ 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت