فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 129

قالَ تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ .... } [1] .

بعد أن أمرَ الله جلَّ في علاه نبيَّه صلى الله عليه وسلَّم بالتحوِّل مِن القِبلَةِ التي كانَ يستقبلُها في صلاتهِ إلى المسجدِ الحرامِ , وذلكَ بقولهِ تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ .... } [2] , اغتاظَ أهلُ الكتابِ مِن هذا الأمرِ , وجرَّهم غيظُهم وحسدُهم للمسلمينَ , أن لمزوهم بتغييِّرهم لقبلَتِهم , وأنَّهم - بزعمِهم - كانوا على برٍّ باستقبالِهم بيتِ المقدسِ , فتركوا هذا البرَّ إلى غيرهِ , ولهذا قالَ سبحانهُ وتعَالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... } [3] فكان هذا اللمزُ مِن شُبَهِ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنَّصارى التي أثاروها على المسلمين , فكانَ لابنِ عاشور بيانٌ عِندَ هذهِ الآية.

فقالَ - رحمَهُ اللهُ:] فهذا إقبالٌ على خطابِ المؤمنينَ بمناسبةِ ذكرِ أحوالِ أهلِ الكتابِ وحسدِهم المؤمنينَ على اتِّباعِ الإسلامِ مرادٌ منه تلقينَ المسلمينَ الحُجَّةَ على أهلِ الكتابِ في تهويلِهم على المسلمينِ إبطالَ القِبلَةَ التي كانوا يُصلُّون إليها ففي ذلكَ تعريضٌ بأهلِ الكتاب. فأهلُ الكتابِ رأوا أنَّ المسلمينَ كانوا على شيءٍ من البرِّ باستقبالهم قبلَتَهم فلمَّا تحوّلوا عنها لمزوهم بأنَّهم أضاعوا أمرًا من أمورِ البرِّ. يقول: عُد عن هذا وأعرِضوا عن تهويلِ الواهنينَ وهَبوا أنَّ قبلَةَ الصلاةِ تغيَّرت أو كانتِ الصلاةُ بِلا قبلَةٍ أصلًا , فهل ذلكَ أمرٌ لهُ أثرٌ في تزكيةِ النّفوسِ واتّصافِها بالبرِّ!!؟ فذكرُ المشرقِ والمغربِ اقتصارٌ على أشهرِ الجِهاتِ

(1) سورة البقرة , من الآية: 177

(2) سورة البقرة , من الآية: 144

(3) يقول القرطبي: [قرأ حمزة وحفص"الْبِرَّ"بالنصب، لأنَّ ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر، فلما وقع بعد"ليس":"البر"نصبه، وجعل"أَنْ تُوَلُّوا"الاسم، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون"البر"بالرفع على أنه اسم ليس، وخبره"أَنْ تُوَلُّوا"، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر] (أحكام القرآن 2/ 158) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت