أرسلت زوجتي تخطب بنتا أفغانية-لأحد إخواننا- قالت لها أختها الكبيرة: أوتظنين يا أم محمد أنه بقي في أنفسنا ميل لجنس أو لشهوة؟ والله ما تزوجت إلا ليبقى معي محرم في الذهاب والإياب، ولقد تزوجنا وشهران ما رأيت منه وما رأى مني.
أناس يمشون على المسامير، على الشوك، يتقلبون على اللظى، يعيشون على الجمر، آلة .. طاحونة دائرة تسحقالبشر، الأعصاب، النفوس، تجد القائد الأفغاني يهز الأرض من تحت أقدام روسيا، يرتجفون لمجرد ذكر اسمه، وفجأة تصيبه شظية في دماغه، أو شظية في عموده الفقري، لا يجد ثمن الدواء، لا يجد ثمن الطعام، لا يجد .. نعم .. ثمن الدواء أو الطعام!! ويتلفت كل واحد منهم الآن حوله، ويتفقد أباه؛ لقد واراه التراب، ويتفقد أمه؛ لقد هدم عليها البيت، ويتفقد أخاه الكبير؛ لقد أسر من أيام تراقي، ولا يدرون ما المصير؟ ويتفقد أبناءه؛ هذه مشوهة بالنابالم، وهذه مشلولة بشظية في النخاع الشوكي، وهذا قد أصابه الجنون؛ لأنه وهو صغير ما مر عليه يوم إلا والقذائف تتصبب فوق بيته، فأصيب بالخبل أو الجنون، أو بمرض الأعصاب ... ماذا تقولون؟ .. الآن في بيشاور - في باكستان - ثلاثة ملايين ونصف مليون مهاجر، وفي إيران مليون ونصف مليون مهاجر، وفي داخل أفغانستان - من أفغانستان إلى أفغانستان سبعة ملايين مهاجر اثنا عشر مليون مهاجر من عشرين مليون، ومع ذلك المسيرة مستمرة، نعم الحمد لله.
يقول لي أحد القادة اسمه - آغا وليد- قائد كبير في تخار، في الشمال في اشكمش: الطائرات أغارت على بيته، اثنان وعشرون من أهل بيته، زوجته، أقاربه كلهم أبيدوا في لحظة واحدة، وهذه الأخبار شيء طبيعي، وليس له إلا مواصلة المسيرة المريرة.
حدثني أحدهم - وهو يحدثني - قال جاءنا اليوم خبر استشهاد عشرين أو اثنين وعشرين شخصا من أقاربي، ثم انتقل إلى قصة أخرى مواصلا عن الجهاد، وكأن القصة لا تعنيه .. لا تعنيه!! كأنها قصة حصلت في أيام سيدنا معاوية أو هارون الرشيد، أو غير ذلك.
يمشي، لم يعد للموت أي رهبة في نفوسهم، تمشي في أرض أفغانستان كلها مفروشة بالحديد، فرشت أرض أفغانستان أكثر من خمس مرات بحديد القذائف، القذيفة طن كامل، أنا رأيت النبع خارجا من أكثر من مكان من آثار القذيفة، صارت روسيا ترى أن القذيفة تنزل في الأرض كثيرا، فتذهب قوتها في داخل الأرض، فصارت تنزلها في براشوت (مظلة) حتى لا تنزل في داخل الأرض [1] .
ننام، في الليل تأتي الطائرات، تنثر الألغام الفردية، اللغم مثل الجرادة أخضر على لون العشب، وينفجر على الصوت، لا حاجة أن تطأ عليه، إذا مررت بجانبه ينفجر بك.
(1) حتى يكون مفعول القذيفة أكثر ولتدميى وتقتل أكثر على وجه الأرض.