أي حصان أو حمار أخذك في وجهه ومضيت إلى مصيرك المحتوم، فلا تظن الأمر سهلا، ولا تظنوا أن هذا النصر وصلوا إليه بالسهولة ..
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} .
حتى الرسول يستطول النصر ... متى نصر الله؟
من أذان الفجر، صلينا الفجر، ركبنا خيولنا، وطبعا في مثل هذا الظرف لا تستطيع أن تركب الحصان، مضينا قليلا على الحصان، ثم نزلنا ولا بد أن تصعد، الثلج تجمد، حيثما تضع رجلك تنزلق الرجل، كنا نتمنى أن نجد كمية من الطين، أو حجرا من الحجارة، أو حمارا ميتا حتى نتشبث به أو نتكيء عليه، كنا نمشي على أربع! على أيدينا وأرجلنا، لا يستطيع الإنسان أن يمشي واقفا، قرب قمة الجبل دونه بمائة متر وأنا لا أكاد ألتقط أنفاسي من الإعياء، وأتعجب كيف يمكنني أن أصل إلى قمة الجبل؟! وإذا بحمار يهوي وصاحبه يلحق به ليمنعه من الموت، ويجري معه هكذا، وأخيرا أدركه اليأس، ثم أفلت حماره إلى مصيره، وما تمالكت نفسي فقهقهت، وشر المصائب ما يضحك، فتصور معي ... إذا كانت طريقك فيها سبعة جبال، أنت معلق بين السماء والأرض فيها، بعد صلاة الفجر نريد أن نصلي، وكذلك الظهر والعصر، أين؟ ما وصلت أسفل الجبل - يعني طلعنا ونزلنا - إلا عند أذان المغرب، من بعد الفجر إلى أذان المغرب، الشباب والله يتمنون الموت وهم في رؤوس الجبال لشدة التعب، وأحيانا يدرك الإنسان الإعياء، والثلوج متراكمة، جاكيت خفيف، صدرية - ليس (جاكيت) كاملا - صدرية لا أستطيع حملها، قد خلعتها ووضعتها على البغل بجانبي، قبل أن أصل قمة الجبل جاء الأفغاني، قال: يا شيخ، قلت له: نعم، قال: (آسب مرد ... ختم) يعني مات الحصان، وحمل الأمتعة على كتفه ومضى في طريقه.
على الطريق شاب عراقي اسمه علي، قال: اتركوني أنا أموت هنا، وأنت لا تستطيع أن تأخذ عنه غطرة، ولا تستطيع أن تحمل قلما عنه، وترك ليموت بين الثلوج، معه ( Sleeping bag) وضعه تحته ونام، ينتظر الموت، وفي الليل وحده، في قمم الجبال ترك ليموت، لا يستطيع أحد أن يقدم له شيء، وإذا بهاتف: اصبر إن الله معك، ويبقى ثلاثة أيام، وتمر قافلة، ويحملوه، ويرجعوه إلى (جترال) ، ولكن رجليه كانتا قد تجمدتا، وقطعت أصابع رجليه.
كم من الناس ماتوا فقط من البرد، الشباب العرب هؤلاء - نرجوا الله أن يجزيهم خير الجزاء - الذي يعيش في مثل (الدوحة) تحت ظل ظليل، وماء وفير، والفاكهة والحلويات، والرز واللحم، وما إلى ذلك، وعندما يخطر بباله أن يخدم الإسلام كثيرا يذهب ليحضر درسا من الدروس، ثم ينتقل فجأة إلى مثل هذا الجو، يخرجون من (بنجشير) وقت الضحى متوجهين إلى (تخار) ، بعد المغرب بدأت الهبات .. هبات رياح باردة تهب عليهم، نزل بعض