هم رجالٌ أتقياءٌ، أنقياءٌ، أخفياءٌ، لا يعرفهم كثيرٌ من الناس، ووالله ليس ذلك مما يضرهم أو يحزنهم، ويكفيهم أن يعرفهم من قاتلوا لتكون كلمته هي العليا، ودينه هو الأسمى، وأوليائه هم الأعز.
فَدَكَّ أولئك الفتية الذين ربط الله على قلوبهم، {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا} الكهف:14، عرش فرعون العصر أمريكا في عقر دارها، متجاوزين بعقيدتهم الثابتة، وإيمانهم الراسخ، ويقينهم على الله، حدودها وسدودها، مما أغاظ عدو الله أمريكا وأثار حفيظتها، تمامًا كما أغاظ موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين جدَّها فرعون، قال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ - إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ - وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ - وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} الشعراء:53 - 56.
وتفجر بركان حقدها الدفين، وأجرى الله على لسانها ما طال حبسه في غياهب صدرها، وأعلنتها بملء فيها، حربًا صليبيةً حارقة حانقة حاقدة على أولئك الذين أبوا أن يحنوا جباههم لجبروتها، ويخنعوا ويركعوا لطغيانها، وأنفت عليهم نفوسهم الأبية أن يكونوا عبيدًا لغير الله الواحد القهار.
ولأن حيلة المجاهدين قليلة، وقوتهم المادية ضعيفة، وأعدادهم وعتادهم شحيحة، كان أولئك الرجال أحقر في عيون أمريكا ونعالها من أن يخطر في بالها بأن نهايتها ونهاية من شايعها وتولاها وآزرها على أيديهم، وكان لسان حال أولئك الطغاة ناطقًا بما قاله جدهم فرعون عن نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين، كما حكى الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه فقال: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَوَهَذِهِ الأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ - أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ - فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ - فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ - فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ} الزخرف:51 - 56.
فنادت أمريكا في مشارق الأرض ومغاربها وقالت: أليس لي ملك العالم، أم أنا خيرٌ من هؤلاء الذين هم مهينون ولا يكادون يبينون، فاستخفَّت أذنابها وعملاءها، واستجاب لها وأطاعها أراذل القوم من عرب وعجم، {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} طه:79، ثم تكالبت بمن معها من كلاب على إمارة أفغانستان الإسلامية، فدكتها بقصف لا يبقي ولا يذر، {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} الأنفال:42، ولحكمة يعلمها علام الغيوب، قدَّر الله أن لا يكون في بداية غزوها كثير مواجهة ومقاومة من جهة المسلمين هناك، فأخذتها