العزة بالإثم لتستمر في غزوها لبلاد المسلمين، وكانت محطتها الثانية هي عراق الخلافة، وظنت، بل واعتقدت أن الأمر لن يعدو أن يكون نزهة ترفيهية، وأوهمت جنودها بأنهم ذاهبون في رحلة أشبه ما تكون برحلةٍ سياحية، وأن أهل العراق ينتظرون استقبالهم بالورود والرياحين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ - وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} الأعراف:182 - 183، وقال جل ذكره وتقدست أسمائه: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ - وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كانوا يَحْذَرُونَ} القصص:5 - 6.
فاستدرجهم الله سبحانه وتعالى بخيلائهم وطغيانهم لدخول بلاد الرافدين التي كان يتربص بهم فيها عرينٌ من أحفاد خالد والمثنى، يقوده أسدٌ هصور، ومغوارٌ جسور، أمير الذباحين أبو مصعب الزرقاوي، تقبّله الله في أعلى علييّن، ورزق الله الأمة من بعده رَحِمًا يحمل ويلد أمثاله، فوالذي نفسي بيده ما أظن أن الأمة رزئت بفقد أحدٍ في هذا الزمان مثل رزيتها بفقده:
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعيرُ ...
ولكن الرزية فقد فذ ... يموت بفقده خلقٌ كثيرُ
فآهٍ ثم آهٍ ثم آهٍ لفقدك يا شيخنا، ويا مرارة حسرةٍ تجرعتها الأمة لفراقك، ووالله إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا أبا مصعب لمحزونون، ولكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ،
غرب النجوم فغرن دون همومهِ ... وطلعن حين طلعن دون منالهِ ...
لو لم تكن تجري على أسيافه ... مهجاتهم لجرت على إقباله ...
لم يتركوا أثرًا عليه من الوغى ... إلا دماءهم على سرباله ...
فلمثله جمع العرمرم نفسه ... وبمثله انفصمت عرى أقتاله ...
يا أيها القمر المباهي وجهه ... لا تكذبن فلست من أشكاله ...
وإذا طما البحر المحيط فقل له ... دع ذا فإنك عاجز عن حاله ...
وهب الذي ورث الجدود وما ... رأى أفعالهم لابن بلا أفعاله ...
حتى إذا فني التراث سوى العلى ... قصد العداة من القنا بطواله