ولما بدأت الأمة تشم رائحة العزة بفضل - الله سبحانه وتعالى-، على أيدي أولئك المجاهدين الربانيين الذين جعلوا من صدورهم دروعًا لصد جبروت الغزاة الطغاة، بعد أن أثقل كاهلها يأس السنين، وبدأت تتعافى من جراحاتها التي كادت تجفف شرايينها من شدة النزف، وحفظوا للأمة بيضتها، وحموا بدمائهم حياضها، وأثبتوا للأمة أنهم للسمو بها إلى العلياء أهل، بعد أن خذلها من طمس الله على قلبه بالجبن والجهل.
فتجلّى للأمة دون أدنى شبهة أو غشاوة أن هؤلاء الرجال هم أجدر الناس لقيادتها، وأصدقهم في رفع رايتها، فهمّت عندئذ بل وبدأت هنا وهناك بمآزرة أبنائها الصادقين، ورصت بفلذات أكبادها صفوف المجاهدين، وبعدما أفلست أمريكا وحلفاؤها من طرائقهم الخبيثة، واستنفذوا ما في جعبتهم من أسلحة مادية مدمرة في محاربة الحق وأهله، من قتل وقصف وأسر وهتك للأعراض.
وبعد أن أيقنوا أن تلك الأسلحة لا تبلغهم النصر المرام، بل وكلما اسرفوا في استعمالها، عززت في حياة المجاهدين مواقف الثبات والإقدام، سلّوا عندئذ آخر سلاح شيطاني فرعوني خسيس في جعبتهم، مستغيثين بآخر ورقة رابحة - في ظنهم - وهي تشويه صورة المجاهدين إعلاميًا، وتشكيك الناس في غاياتهم وأهدافهم.
فتزيوا للناس بثوب الرحمة والشفقة، ونعقوا ونبحوا جاهدين في التلبيس على الناس بأنهم لا يحاربون المجاهدين إلا لإقرار السلامة والأمن في الأرض، وأنهم لم يغزوا بلاد المسلمين بجيوشهم الجرارة إلا من أجل الحفاظ على حضارة المسلمين وثرواتهم، وأن المجاهدين هم المفسدون في الأرض، وهم الذين يريدون سفك الدماء، وتدمير الحضارات، ولا غرابة في ذلك ألبتة.
إذ أن هذا النوع من السلاح الإعلامي التضليلي التشويهي جزء لا يتجزأ من ميراث
جدهم فرعون الخبيث الذي خلفه لأتباعه وآله، فها هو ذا فرعون - لعنه الله - بعد ما كان يخاطب الناس بأنه هو ربهم الأعلى، وأنه لا يعلم لهم إلهًا غير نفسه، وبعد أن ذبّح أبناء بني إسرائيل، واستحيا نساءهم، وعاث في الأرض فسادًا، وجعل أهلها شيعًا، فها هو ذا أسلوب خطابه مع الناس يتغير بصورة عجيبة لمّا جاءه نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام بالحجج الدامغات، وظهر على سحره وسحرته بالآيات البينات، وخر السحرة للأحد الصمد رب موسى وهارون سجدًا، ولم يسبب لهم تهديد فرعون بتصليبهم في جذوع النخل وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف في إيمانهم ترددًا، فلبس عندها فرعون ثوب الشفقة على قومه، وأظهر لهم حرصه على مصالحهم وحضارتهم، وبعد أن كان يحصر ملك مصر لنفسه،