قال جل شأنه وتعالى ذكره {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} يونس:78، وقال جل جلاله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ} غافر:26، وقال عز وجل: {وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف:127، ففي هذه الآيات الكريمة يظهر جليًا جهد فرعون وملإه لتشكيك الناس بدعوة موسىعليه الصلاة والسلام وكذلك تشكيكهم في غاياته وأهدافه، فتارة - كما في الآية الأولى - يزعمون أن الغاية من وراء دعوة موسىعليه الصلاة والسلام للناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما كان عليه آباؤهم من شرك وضلال، ما هي إلا من أجل أن يكون له الكبرياء في الأرض.
وتارة - كما في الآية الثانية - يتهمونه بأن الهدف من دعوته للناس إلى دين الإسلام الذي بعثه الله به، ونبذ ما دونه من أديان باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، ما هو إلا لإظهار الفساد في الأرض، وبالتالي فإنهم لا يريدون قتال موسىعليه الصلاة والسلام والذين آمنوا معه إلا درءًا للفساد، وأطرًا للفتنة، وخوفًا من أن يكون لهم الكبرياء في الأرض، وحرصًا على دينهم، وحفظًا لعقيدتهم، وقد قيل من قبل: إذا عرف السبب بطل العجب!!!.
ولكن الفساد الحقيقي الذي يخشاه فرعون ولا يخشى غيره، والرعب الذي أرعد فرائصه، وزلزل عرشه، وهدد ملكه وسلطانه، فتركه وليس له طرفٌ يغمض، ولا قلب بغير الفَرَق ينبض، هو أن يذر الناس إلهته، ويكفروا بربوبيته، وينسلخوا من دينه وعبوديته، وهذا ما جلاّه الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ... } الأعراف:127، فإن هذا مما لا يرضاه فرعون وورثته بحال، بل إن تركهم لمن شهد لله بالوحدانية لهو من ضرب المحال، وكيف يرتضيه وهو القائل: {يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} القصص:38، وهو وحده الوازع الذي حمله على أن يحدد بسرعة، وبدون أدنى حيرة الحل المناسب لقمع هذا الفساد العريض -كما صوره للناس- الذي يخشاه وملأُه!: {قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف:127، وإذا كانت الأسباب كما ذكرنا آنفًا فقتل فرعون وهامان وجنودهما لنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام، والمستضعفين من الأطفال والنساء والشيوخ العزّل، ليس من جنس الفساد في شيء، بل إنما هو عين سبيل الرشاد، {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} غافر:29.