الشرك - التي أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بقتال أهلها للحيلولة دون تحقيقها، ولبسط هذه المسألة مقامات أخرى، وليس هذا المقام بواحد منها، ولكن"الخطأ"الذي نقصده هو من النوع الذي أشار إليه أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله في خطابه الذي كان بعنوان"دعوا عَطِيَّةَ الله فهو أَعلم بما يقول"حيث قال:
"في بعض الأحايين يترجح عند الإخوة بعض الأمارات والدلالات أن فلانًا من الناس ممن يتعامل مع الكافر المحتل، ويعين على حرب المجاهدين، فيقوموا بقتله، ثم يتبين لهم بعد ذلك أن المقتول كان بريئًا مما نُسب إليه، وأن القتل كان خطأً، فما يكون من الإخوة إلا استرضاء ولي المقتول، ودفع ديته، والاعتذار عما قاموا به من القتل الخطأ". انتهى كلامه رحمه الله.
روى البخاري في صحيحه من طريق عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا، صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره فقلت والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال:(( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) )مرتين). البخاري:7189، فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه سيف من سيوف الله وصحابي جليل من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجتهد في حكم فأخطأ فيه مما أدى إلى قتل بعض من أراد الإسلام بقولهم"صبأنا"ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرأ من صنيع خالد ذاك إلا أنه لم يتبرأ منه بل ولم يعزله من قيادة جيش المسلمين لمجرد ذلك الخطأ الذي هو من باب الخطأ الاجتهادي المغفور إن شاء الله، كما جاء في حديث الاجتهاد.
قال ابن حجر في الفتح:"هذا من ابن عمر راوي الحديث يدل على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة، ويؤيده فهمه أن قريشا كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ حتى اشتهرت هذه اللفظة وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة ابن أثال وقدم مكة معتمرا قالوا له: صبأت؟، قال: لا بل أسلمت. فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها لأن قولهم صبأنا أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام، وقال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولا قولهم". فتح الباري:12/ 149، وقال ابن بطال في شرح البخاري: "قال المهلب: ولم يفهم خالد من قوله:"صبأنا"أنهم يريدون به"