يا من لذلة قوم بعد عزهم ... أحال حالهم جور وطغيانُ ...
بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم ... واليوم هم في بلاد الكفر عُبدانُ ...
فلو تراهم حيارى لا دليل لهم ... عليهم من ثياب الذل ألوانُ ...
ولو رأيت بكاهم عند بيعهم ... لهالك الأمر واستهوتك أحزانُ ...
يا رُبَّ أمٍّ وطفلٍ حيل بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدانُ ...
وطفلة مثل حسن الشمس إذ ... طلعت كأنما هي ياقوتٌ ومرجانُ ...
يقودها العلج للمكروه مكرهة ... والعينُ باكية والقلب حيرانُ ...
لمثل هذا يبكي القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمانُ
والحاصل أن غربة الإسلام الأولى لم تكن في حج وصلاة وقتال، ولم يكن صاحب الخلق الكريم غريبًا، ولكن الغربة كانت في حقيقة معنى"لا إله إلا الله"، والغريب من كان من أهل هذه الكلمة مؤمنًا راضيًا بها، محققًا لشروطها، عاملًا بمقتضاها، مستبرءًا من نواقضها.
روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عباس أنه قال: (لما أن مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، قال: فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه أو قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد النبي صلى الله عليه وسلم مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، قال أبو طالب: أي ابن أخي! ما بال قومك يشكونك؟، يزعمون أنك تشتم آلهتم وتقول وتقول وتفعل وتفعل، قال: فأكثروا عليه من اللحو، قال: فتكلم النبي عليه الصلاة والسلام فقال:"يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية"، قال: ففزعوا لكلمته ولقوله، قال: فقال القوم: كلمة واحدة، نعم وأبيك وعشرا، قال: وما هي؟، قال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟، قال:"لا إله إلا الله"، قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون:(أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب) . مصنف ابن أبي شيبة: 8/ 442.
فهذا أبو جهل فرعون هذه الأمة - لعنه الله - وجماعة من صناديد قريش يوافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم على إرادته إياهم على كلمة يقولونها، بل استعد القوم أن يزيدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكلمة عشرًا، ولكن لما طرقت كلمة التوحيد آذانهم أيقن القوم أن المسألة ليست مسألة كلام وحسب، لأنهم كانوا يعلمون حق العلم أن كلمة"لا إله إلا الله"ليست مجرد أحرف