تنطق بها ألسنتهم دون أن يكون لها أي تأثير في واقع حياتهم، بل إن كلمة"لا إله إلا الله"هي منهج حياة كامل شامل، وفهم القوم ما يلزمهم من قول"لا إله إلا الله"إذا هم قالوها، ما يعجز عن فهمه كثير ممن يقولها في هذا الزمان من أدعياء العلم فضلًا عن العوام، وهذا ما جاء واضحًا جليًا في قولهم: (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب) ، فعلموا أنه من قال لا إله إلا الله لا يحل له أن يدعو أحدًا غير الله، ولا يذبح إلا لله، ولا يصلي إلا لله، ولا يحج إلا لله، ولا يخشى إلا الله، ولا يرجو إلا الله، ولا يتخذ أندادًا يحبهم كحب الله، ولا يتحاكم إلا لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يشرع مع الله، لا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا في الله، لا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، لا يسالم إلا في الله، ولا يقاتل إلا في الله، فحياته كلها لله وفي الله، {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} الأنعام:162 - 163.
ولذلك فإنه كان يلحق الواحد من الغرباء الأولين الذين قالوا لا إله إلا الله عن فهم لمعانيها ورضىً بمقتضياتها ولوازمها, صادقين خالصين من قلوبهم، وكفروا بما يعبد من دون الله ودعوا الناس إلى قولها والإيمان بها، من أصناف الأذى ما تقشعر منه الأبدان، وعلى رأسهم سيد البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في مسند ابن أبي شيبة من حديث ربيعة بن عباد الديلي وكان جاهليا فأسلم، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي أبيعها، ومر عليه جبة له حمراء ينادي بأعلى صوته:"أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، قال: ورجل يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذاب، قلت: من هذا؟، قالوا: هذا غلام بني عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه يرميه؟، قالوا: عمه عبد العزى، وهو أبو لهب) مسند ابن أبي شيبة:3/ص75.
فأي غربة فوق تلك الغربة التي تسقط فيها جميع المباديء الإنسانية، بحيث يكون ألد أعداء المرء أبوه أو أمه أو أخوه أو عمه، ومن ثم فهو غريب على أرض وطنه غريب بين أهله.
وهذا لعمر الله حال"لا إله إلا الله"في هذا الزمان، فلقد عادت غريبة بمفهومها المراد كما بدأت تمامًا، وكذلك حال أهلها في هذا الزمان، فهم الغرباء الجدد إذ فهموا المراد من قول"لا إله إلا الله"وسعوا لتحقيقه، فكم من موحد في هذا الزمان يتجرع مرارة الغربة رغم وجوده في مسقط رأسه وبين ظهراني أهله، وكم من شاب موحد عزره أو ضربه والده أو حاربته أمه أو عذبه أخوه أو أسلمه أقاربه وعشيرته إلى الطواغيت وجنودهم ليسوموه سوء العذاب، ويردوه عن دينه إن استطاعوا، ليس لشيء إلا لتحقيقه شقي كلمة التوحيد من كفر بالطاغوت وإيمان بالله.