ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى قد هدى إخواننا المجاهدين بمنه وفضله وكرمه لحمل السلاح ليدفعوا به غربتهم لأن خيار الجهاد، لا أقول بأنه الخيار الأمثل، بل إنني أقول إن الجهاد هو الخيار الأوحد لدفع غربة الدين التي نتجرع مرارة حنظلها ليل نهار، وهذا هو الخيار الذي عزمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام لدفع الغربة الأولى، إذ كانت الخطوة الأولى هجرتهم من مكة إلى المدينة، ثم بدأت ضرباتهم القاصمة لظهر الكفر وأهله تتوالى حتى جاءهم الله جل وعلا بنصره المؤزر وفتحه الأكبر.
فغربة لا إله إلا الله لا سبيل لدفعها إلا بالجهاد في سبيل الله، الذي ليس لسالك دربه إلا الفوز بإحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، فهذان المطلبان غاية ما يرومه كل من خالط الإيمان بشاشة قلبه وذاق حلاوته.
فبالنصر تقوم دولة الإسلام على أصل ثابت وفرع في السماء، ومن ثم تندحر غربة الدين الكبرى غربة"لا إله إلا الله"، وتكون الدولة وطنًا لكل موحد غريب، حتى لو لم تكن أرض الدولة مسقط رأسه ووطنه الأصلي، فالمسلم ليس له وطن إلا الإسلام، ولا تقر له عين، ولا يفرح له قلب، ولا تطيب له نفس إلا على أرض ترفرف راية التوحيد خفاقة عالية فوق ربوعها، وإن ذلك إن شاء الله لناظره لقريب وكما قال أحدهم:
ولست أبغي سوى الإسلام لي وطنًا ... الشام فيه ووادي النيل سيان ...
وحيثما ذكر اسم الله في بلد ... عددت ذاك الحمى في لب أوطاني ...
بالشام أهلي وبغداد الهوى ... وأنا بالرقمتين وبالفسطاط جيراني ...
وما طرسوس مهما لجّ بي دمها ... أدنى إليّ من فاس وتطوان ...
ولي بطيبة أوطار مجنحة ... تسمو بروحي فوق العالم الفاني ...
دنيا بناها لنا الهادي فأحكمها ... أعظم بأحمد من هاد ومن بان
اللهم مكّن لعبادك المجاهدين في الأرض الذين لاذوا بجنابك، وأقم على أيديهم دولة الإسلام التي لا يعبد فيها غيرك، ولا يحكم فيها إلا بشرعك، لا يوالى فيها إلا وليك، ولا يعادى فيها إلا عدوك، دولة التوحيد التي يعز فيها المؤمنون ويذل فيها الكافرون، فإنك وحدك يا ربنا أهل ذلك والقادر عليه.
وأما الشهادة فبنيلها تزول جميع ألوان الغربة، ويرجع صاحبها إلى وطنه الأم، وطن الخلود، جنة الفردوس، يتنعم بجوار محبوبه، يتمتع بالنظر إلى وجه ربه الكريم الذي هو غاية