لولا خشيتي من أن يمل القاريء الكريم لاسترسلت في كتابة ذكرياتي مع هذا الأخ البطل المجاهد، ولكنني سأقتصر على ذكر ما تتم الفائدة به إن شاء الله تعالى.
لقد جمعني الله سبحانه وتعالى بأبي عبدالله في أول مجموعة التحقت بها في بلاد الرافدين بعد خروجنا من المضافة التي كنا فيها مع أبي الوليد القحطاني رحمه الله بعد تنفيذه عملية الجمرك - عملية أبي محمد اللبناني رحمه الله -، وكان أبو عبدالله من الإخوة الذين قاتلوا في معارك الفلوجة الثانية، مما أكسبه خبرة قتالية لا بأس بها، وخاصة في مجال الهاون والقنص، ولكنني لما رأيت حذره وتحذيره الشديدين من الطائرات، وسكونه الملفت للإنتباه - الذي كنت أظنه خوفًا، غفر الله لي وله - عندما يسمع صوت الطائرات وهي تحلق فوقنا، وكنا في ذلك الوقت قد أوينا إلى كبد الصحراء بعدما ضاقت بنا الأرض بما رحبت ولم يكن عندنا خيار إلا افتراش الأرض والتحاف السماء في قفار الصحراء الواسعة.
ولا تظن يا أخي أن ذلك كان صعبًا على نفوسنا، لا والله، فلقد كنا في جوار رب السماوات والأرض الذي لا يذل من دخل في جواره، نرتع في رحمته، نتلذذ بمقامنا الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لنا للقيام فيه، وكما قيل: (إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر الحق فيما أقامك) ، ووالله ما كان يؤلمنا ويدمي قلوبنا سوى تفريط الأمة في تلك اللذة وزهدها في ذلك المقام وخذلانها لدين الله وأعراضها، فالله المستعان.
فلما كنت أرى ذلك الحذر الشديد منه، لم أكن أتوقع أنه في يوم من الأيام سيثبت في قتال أعداء الله، فضلًا عن أن يثبت في موقف كالموقف المشرف الذي وقفه في معركة القائم والذي قتل فيه رحمه الله، فبعد أسبوع من القتال العنيف والقصف العشوائي المتواصل لمدينة الكرابلة، والذي دمر في أول ثلاثة أيام من المعركة أكثر من مئة وثمانين بيتًا من بيوت المسلمين المدنيين، اجتمع أبو جعفر المقدسي بأمراء المجاميع
وأخبرهم بأن المجاهدين مخيرون بين خيارين لا ثالث لهما، فإما أن ينسحبوا من المدينة وينحازوا إلى مكان آخر ثم يرجعوا إليها بعد دخول الجيش الصليبي إلى المدينة والذي يتوقف به بطبيعة الحال قصف الطائرات، وإما أن يبقوا في المدينة ويقعدوا لعباد الصليب كل مرصد، فاختار بعض الإخوة الانسحاب، واختار البعض الآخر البقاء.
وكان أبو عبدالله أحد الإخوة الذين اختاروا البقاء، ثم أخذ موقعه على سطح بيت من بيوت الصف الأول للمدينة، وجلس يتربص بفريسته من عباد الصليب، ولما بدأوا بالدخول