إلى مكان آخر، لأن منطقة السوق مكشوفة ومفتوحة وبالتالي فإن المجاهدين سيكونون هدفًا سهلًا لرصاص القناصة.
وفي الوقت الذي كان فيه الإخوة يتشاورون في أمرهم، كان القناصة قد اتخذوا مواقعهم داخل المدينة، فما أن بدأ الإخوة بالتحرك حتى أمطرهم القناصة برصاصهم مما أدى إلى تفرقهم، وبقي ذلك الأخ في السوق وحده، لأن خطة الإنحياز التي اتفق عليها الإخوة هي أن يكون أبو مزلزل أول المنحازين ويقوم هذا الأخ بالتغطية عليه حتى يصل إلى المكان المقصود ثم يتبعه الإخوة واحدًا واحدًا بتغطية من جهة أبي مزلزل التي هي نقطة النهاية ومن جهة هذا الأخ التي هي نقطة البداية، ولكن كثافة رمي القناصة الصليبيين تسببت في إرباك الإخوة مما جعلهم ينطلقون كلهم مرة واحدة، واضطر هذا الأخ للبقاء مكانه للتغطية على إخوانه لإشغال القناصة الصليبيين عنهم، وفي أثناء تغطيته على الإخوة تعطل سلاحه، ولما توارى الإخوة عن أنظاره أخذ ينادي على أبي مزلزل ليقوم بالتغطية عليه كما هو مخطط، ولكن أبا مزلزل لم يستجب لندائه ربما لبعد المكان الذي انحاز الإخوة إليه والله أعلم.
ومكث في السوق في مخزن لم يكتمل بناؤه بعد ما يقارب النصف ساعة ينتظر قدر الله سبحانه وتعالى، وفجأة رأى رجلان يتكلمان مع رجل آخر أمام بيت من البيوت التي كانت قريبة من السوق، وكأنهم يريدون منه أن يأويهم، فنادى عليهم أخونا واستأذن ليذهب إليهم فوافق صاحب البيت، وكان الرجلان الآخران من جماعة عصائب العراق، ولما دخلوا إلى البيت وجدوه مليئًا بالنساء والأطفال، فقال لهم الرجل الذي أذن لهم بدخول البيت:"إن هذا البيت بيت قرابة لي، وإن بيتنا هو أول بيت من جهة الشارع العام ويجب أن تذهبوا إليه لأن الأمريكان سيبدأون بتفتيش البيوت قريبًا"، وكان بينهم وبين ذلك البيت أكثر من ثمانية بيوت.
فبدأ الثلاثة بالقفز على أسوار البيوت حتى وصلوا إلى بيت الرجل، ولكنهم وجدوا أن البيت لا يصلح للمأوى إذ أنه أول بيت من بيوت الحي من جهة الشارع مما يجعله أول بيت عرضة للتفتيش، فاتفقوا عندها أن يخرج أحدهم ليبحث عن مأوى آخر، وانتدب أحد الرجلين الأنصاريين أن يقوم هو بذلك وكان أكبرهما سنًا.
ولما خرج من البيت وبدأ يقطع الشارع العام ليصل إلى الجهة المقابلة، وكان الشارع العام عريضًا جدًا مما تسبب بكشف القناصة له، فقاموا بفتح نيرانهم عليه، ولكنه استمر في الركض حتى وصل إلى مأمنه من الجانب الآخر للشارع ولم يصب بأي أذى، ولبث الإثنان الآخران في البيت حتى غربت الشمس وعندها قال الأخ من العصائب لأخينا:"يجب أن أذهب لأبحث عن مأوى، فانتظرني هنا حتى أرجع إليك".