فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 64

فإن قالوا: المراد إمام الصلاة.

قلنا: وكذلك هنا المراد إمام الجهاد، فيدخل في ذلك أمراء الجيوش وقادة السرايا كما يدل عليه ذكر الأمر بطاعة الأمراء في الحديث، ولذا قال الحافظ: والمراد بالإمام كل قائم بأمور الناس والله أعلم، ويؤيد هذا ما رجحه جماعة من العلماء من أن المراد بأولي الأمر كل من ولي شيئا من أمر المسلمين، قال في معارف السنن في بيان الخلاف في معنى أولي الأمر: قيل العلماء من المسلمين، والبيضاوي يرده لأنه ليس لهم حكم مستقل، وهم ينقلون حكم الله ورسوله، وقيل: أمراء المسلمين، ويمكن أن يراد به أن يكون الأمراء علماء، وفي العمدة للعيني: أحد عشر قولا، والقولان هنا لجمهور المفسرين، كالرازي والزمخشري والقرطبي وابن كثير وغيرهم، وقيل: أمراء السرايا، وروي عن أبي هريرة وميمون بن مهران ومقاتل والكلبي، وقيل عام في كل من ولي أمر شيئ، صححه العيني وإليه مال البخاري والرازي واستظهره ابن كثير.

وأيضا فالمعنى الحاصل من الإمام حاصل بجهاد من جاهد من أمراء المسلمين، قال الشيخ حسن بن عبد الرحمن في الدرر السنية (8/ 202) كل من أقام بإزاء العدو وعاداه، واجتهد في دفعه، فقد جاهد ولا بد، وكل طائفة تصادم عدو الله، فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل، كما هو الواقع، فإن تابعه الناس أدَّوا الواجبَ، وحصل التعاون على البر والتقوى، وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعوه أثموا إثما كبيرا بخذلانهم الإسلام.

وأما القائم به: فكلما قلت أعوانه وأنصاره، صار أعظم لأجره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، كما قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج 78) وقال: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا .. } (العنكبوت 69) وقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ .. } (الحج 39) وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ} (المائدة 54) وقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ .. } (التوبة 5) وقال: {كم من فئة .. } (البقرة: 249) وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ .. } (الأنفال 65) وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ .. } (البقرة: 216) .

ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون، فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف، لما ذكرت من الآيات، وقد تقدم الحديث: لا تزال طائفة ... الحديث.

فليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثني في سورة براءة، وتأمل قوله: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} (الحج 40) وقولَه: {وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا .. } (المائدة 56)

وكل يفيد العموم بلا تخصيص، فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟

وقد عرفت مما تقدم أن خطاب الله تعالى يتعلق بكل مكلف من الأولين والآخرين، وأن في القرآن خطابا ببعض الشرائع، خرج مخرج الخصوص وأريد به العموم، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت