عن بِشْرِ بنِ عَاصِمٍ عن عُقْبَةَ بنِ مَالِكٍ مِنْ رَهْطِهِ، قالَ: بَعَثَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً فَسَلَّحْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ سَيْفًا فَلَمَّا رَجَعَ قالَ لَوْ رَأيْتَ مَا لاَمَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. قالَ أعَجَزْتُمْ إذْ بَعَثْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ فَلَمْ يَمْضِ لأمْرِي أنْ تَجْعَلُوا مَكَانَهُ مَنْ يَمْضِي لأمري. قال في عون المعبود (7/ 288) : قال في المجمع في مادة مضى: وفيه إذا بعثت رجلًا فلم يمض أمري أي إذا أمرت أحدًا بأن يذهب إلى أمر أو بعثته لأمر ولم يمض عصاني فاعزلوه، وفي بعض الحواشي الهندية على المشكاة: قال الطيبي: إذا أمرت أحدا أن يذهب إلى أمر فلم يذهب إليه فأقيموا مكانه غيره وقال ابن عبد الملك: أي فاعزلوه واجعلوا مكانه أميرا آخر، ورواه أيضا أحمد وابن حبان وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وجه الدلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرضهم على تغيير أمير السرية الذي عقد له الراية بيده الشريفة تحصيلا لمصلحة الجهاد في سبيل الله، فتنصيب الأمير لتحصيل مصلحة الجهاد إذا لم يكن إمام من باب أولى، ذكر نحوه الشيخ أبو محمد عبد الله بن يوسف عزام رحمه الله [1] .
قال أبو الوليد: فإن ذكروا حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في الصحيحين البخاري في الأحكام ومسلم في المغازي وغيرهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ، ومَن عصاني فقد عَصى اللهَ، ومَن يُطِعِ الأميرَ فقد أطاعَني، ومَن يَعصِ الأميرَ فقد عصاني، وإنما الإمامُ جُنَّةٌ يُقاتَلُ مِن وَرائه، ويُتَّقى به. فإِن أمرَ بتقوَى الله وعَدَلَ فإِنَّ لهُ بذلكَ أجرًا، وإن قال بغيرهِ فإِنَّ عليهِ منه. قال النووي: قوله - صلى الله عليه وسلم: الإمام جنة، أي كالستر لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ويمنع الناس بعضهم من بعض ويحمي بيضة الإسلام ويتقيه الناس ويخافون سطوته، ومعنى يقاتل من ورائه أي يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد والظلم مطلقًا. وفي عون المعبود (6/ 436) : والمعنى أن الإمام يستتر به وأنه محل العصمة والوقاية للرعية، فالإمام كالمجن والترس، فإن من استتر بالترس فقد وقى نفسه من أذية العدو فكذا الإمام يستتر به في العهود والميثاق والصلح والأمان فالإمام إذا عقد العهد وصالح بين المسلمين وبين غير أهل الإسلام إلى مدة، فالمسلمون يسيرون ويمرون في بلاد أهل الشرك ولا يتعرض لهم مخالفوهم بأذية ولا فساد في أنفسهم وأموالهم لأجل هذا الصلح، وكذا يسير أهل الشرك في بلاد الإسلام من غير خوف على أنفسهم وأمواله، فالستر والمنع عن الأذى والفساد لا يحصل إلا بعهد وأمان الإمام والله أعلم. كذا في الشرح. انتهى.
قلنا: نعم، وليس ذلك دليل الشرطية، وإلا كان قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم: إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ. فَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِذَا وَافَقَ قَوْلُ أَهْلِ الأَرْضِ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه. دليلا على أنه لا صلاة إلا بإمام.
(1) الذخائر العظام (134) .