3 -وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيرًا.} قال عبد الرحمن الثعالبي في الجواهر الحسان: (القَرْيَةِ) هنا: مَكَّة بإجماعٍ، والآيةُ تتناوَلُ المؤمنين والأسرَى في حواضِرِ الشِّرْك إلَى يوم القيامة. قال ابنُ العربيِّ في أحكامه: قال علماؤُنَا رحمهم اللَّه: أوجَبَ اللَّهُ تعالى في هذه الآيةِ القِتَالَ؛ لاستنقاذ الأسرَى مِنْ يَدِ العدُوِّ، وقد رَوَى الأئمَّة أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ، وَفُكُّوا العَانِيَ. يعني: الأسيرَ، قال مالكٌ رحمه اللَّه: علَى النَّاسِ أَنْ يَفُكُّوا الأسرَى بجميعِ أموالِهِمْ؛ وكذلك قالُوا: عليهمْ أنْ يُوَاسُوهُمْ. انتهى. وللقرطبي نحوه، وقال-أعني القرطبي في قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَاسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} كأن هذا المعنى: لا تَدَع جهاد العدوّ والاستنصار عليهم للمستضَعفِين من المؤمنين ولو وحدك؛ لأنه وَعَده بالنصر. قال الزجاج: أمر الله تعالى ا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمِن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلاَّ أنه لم يجاء في خبر قطُّ أن القتال فُرض عليه دون الأُمة مدّة ما؛ فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يُقال لكل واحدٍ في خاصة نفسه؛ أي أنت يا محمد وكل واحد من أُمّتك القول له؛ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ. ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده؛ ومن ذلك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالِفتي، وقول أبي بكر وقت الردة: ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي. انتهى.
4 -وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُو ا أُوْلَائِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.} قال أبو عبد الله محمد بن أحمد الأندلسي القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ، يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم. إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدّته. ابن العربي: إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة؛ حتى لا تبقى منا عين تطرِف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حلّ بالخلق في تركهم إخوانَهم في أسر العدوّ وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوّة والجَلَد.