فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 64

قال أبو الوليد عفا الله عنه: رحم الله الإمام ابن العربي يقول هذا في زمان تخفق فيه رايات الجهاد، ويُنادى به في كل واد وناد، فماذا نقول نحن في زمان نكّست فيه أعلامه، وأفتى بتعطيله دعيّ العلم حتى أنكرته محابره وأقلامه، ولست أدري ما يصنع صبيان الفقهاء هؤلاء بهذه الحجج الواضحة، والبراهين اللائحة، الداحضة لشبهاتهم والدامغة لأباطيلهم وتلك هي الفاضحة، وليت شعري بأي شيئ يجيب المغبون ربه إذا سأله عن خذلان المؤمنين والمؤمنات، وهو متكئ شبعان على أريكته يرى علوج النصارى يعبثون بأعراض الطاهرات، وقد سفكوا الدم الحرام في عرصات الحرمات، فإن سمع (وا إسلاماه) أجاب: لا جهاد إلا بإمام وإن دُنّست الكرامات، فدعه عنك وانبذه نبذ النواة فقد مات قلبه قبل الممات، فاللهم إنا نبرأ إليك من الضلالة، ونعوذ بك من سُوء العمل وزيغ المقالة، وهذا مزيد من الأدلة بسطًا للعذر، وإظهارًا للحق ولله الحمد والشكر.

5 -وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج اللَّه عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قال في رياض الفالحين: (ولا يُسلمه) بضم التحتية: أي: إلى من يظلمه ويهينه. وفي لسان العرب لابن منظور: قال ابن الأَثير يقال أَسْلَمَ فلانٌ فلانًا إِذا أَلقاه في الهَلَكَة ولم يَحْمِهِ من عدوِّه. وقوله في الحديث: لا يظلمه ولا يسلمه: هو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح، فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى: الزاني لا ينكح إلا زانية، وقوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون على قول بعضهم، والمعنى: لا ينبغي للمسلم أن يسلم أخاه المسلم [1] ، أو ليس ذلك من شأن المتصف بصفة الإسلام.

فائدة: قوله تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ،} قيل معناه: لا يظلم بعضكم بعضا، فكما أن الرجل لا ينبغي أن يظلم نفسه، فكذلك لا ينبغي أن يظلم أخاه لأنه كنفسه، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، قال ابن كثير: وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال عليه الصلاة والسلام: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. انتهى. وهذا كقوله تعالى: {فلا تقتلوا أنفسكم، وقولِه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ، وقولِه: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ،} ثم قوله: فيهن: يعني في الأشهر كلها، كما قال ابن عباس وعطاء، وعندهما أن الضمير في قوله: فيهن، راجع إلى قوله: اثنا عشر شهرا، لا إلى الحُرم فقط، وإنما خُصت بالذكر لمزيد فضلها وعظيم حرمتها. وتأمل كيف عطف على هذا قوله تعالى: وَقَاتِلُوا

(1) انظر تفسير الألوسي / الواقعة: 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت