فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 64

الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُو ا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، ففيه تنبيه -والله أعلم- على ما يجب على المؤمنين من نصرة بعضهم بعضا، وأن من الظلم للمؤمنين تركَ عدو الله يستبيح بيضتهم ويعتدي على حرماتهم، وهو ظلم للنفس على الحقيقة، بل كل ظالم لغيره فهو ظالم لنفسه، وظلمه للمؤمنين بخذلانهم وإسلامهم لعدوهم يلزم منه تسلط العدو على الدار، واستباحتُه الحمى والذمار، فهو معين بفعله هذا عدوه على نفسه وإخوانه، ولذا أمرنا تعالى بقتالهم كافة كما يقاتلوننا كافة، وهذا إغراء وتهييج للمؤمين، والمعنى كما قال القرطبي رحمه الله: بحسب قتالهم واجتماعهم لنا يكون فرض اجتماعنا لهم، وبالله التوفيق [1] .

6 -وما رواه مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: {قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى،} ورواه أحمد عن النعمان أيضا، وفي معناه ما رواه البخاري عن أَبي موسى - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضه بعضًا، ثم شبَّكَ بين أصابعه. وفي تحفة الأحوذي: وزاد البخاري: ثم شبك بين أصابعه إلخ، والحديث رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن حبان دون الزيادة المذكورة، وعند أحمد من طريق أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد في الرأس، قال ابن كثير: تفرد به أحمد، ولا بأس بإسناده. والحديث من آكد الأدلة على تعظيم حرمة المؤمن ووجوب مناصرته على كل قادر على نصرته، فلا جرم أن البخاري بوب عليه في كتاب المظالم: باب نصر المظلوم، وقال الحافظ في شرحه: هو فرض كفاية، وهو عام في المظلومين، وكذلك في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح، ويتعين أحيانا على من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر، فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشرط المذكور، فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما، ويقع النصر مع وقوع الظلم وهو حينئذ حقيقة، وقد يقع قبل وقوعه كثير. انتهى. وقال النووي رحمه الله: هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه. انتهى. وبوب ابن حبان: ذكر الأمرِ بمعونةِ المسلمين بعضِهِم بعضًا في الأسباب التي تُقَرِّبُهُم إلى الباري جلَّ وعلا.

(1) راجع تفسير الطبري والقرطبي والألوسي، وانظر مسائل الرازي وأجوبتها ص:114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت