وما يعبر عن هذا الضرورة أننا نجد أنفسنا مضطرة إلى معرفة الأشياء فقد وجدنا من أنفسنا العلم بوجود مكة وبغداد والأمم السالفة… وهذا العلم يشترك فيه الكبير من البشر والصبيان ويشترك فيه من يحسن النظر والاستدلال ومن لا يحسنها.
والعلم الحاصل بالضرورة لا يعتبر شك ولا يقع فيه اختلاف لأن الاختلاف مكمن العلم الحاصل بالنظر، لأن"النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا" (1) .
ثانيا: مذهب يرى أن العلم الحاصل بالخبر المتواتر نظري وهو مذهب العكبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة والدقاق من أصحاب الشافعي… وهو"ما احتاج إلى تقدم النظر والاستدلال ووقع عقيبته بغير فعل" (2) أو هو"ما لم يفد العلم بنفسه ما لم ينتظم في النفس مقدمتين" (3) :
الأولى: إن المخبرين لا يجمعون على الكذب
والثانية: أن العلم بالواقعة مبني على شعور النفس بصدق المخبرين (4) .
ثالثا: مذهب الوقف وهو مذهب الآمدي: وهو بتوقف في طبيعة العلم الحاصل لا في العلم لأنه يجزم بحصول العلم مطلقا عن الخبر المتواتر خلافا لمذهب السمنية والبراهمة (5) .
يظهر من خلال التقسيم أن الاختلاف بين هذه المذاهب لفظي اكثر منه جوهري"لأن القائل بأنه ضروري لا ينازع في توقفه على النظر في المقدمات والقائل بأن نظري لا ينازع في أن العقل يضطر إلى التصديق به" (6) .
كما يظهر أن ابن حزم والباجي متفقان في الدعوى، ولكنهما يختلفان في شروطها، فالباجي يشترط فيمن يقع العلم بخبرهم الشروط التالية:
أولا: العقل: لأن المجانين لا يقع العلم لنا بخبرهم ولو بلغوا عدد التواتر.
(1) -البرهان في أصول الفقه: م. الجويني 1/567.
(2) -إحكام الفصول: الباجي، ص 171.
(3) -روضة الناظر: ابن قدامة المقدسي، ص: 86.
(4) -نفسه، ص: 86. مذكرة في أصول الفقه: الأمين الشنقيطي، ص: 99.
(5) -الإحكام: الآمدي 1/220.
(6) -المدخل إلى مذهب الإمام أحمد: ابن بدران الدمشقي، ص: 90.