فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 262

ويظهر كذلك أن مالكا كان متتبعا سنة عصره، فالحسن البصري وسفيان بن عيينة كلهم كانوا يرسلون الأحاديث، والإرسال عندهم لا يعني إلا كثرة عدد الصحابة الراوين لذلك الحديث"روى عن الحسن البصري أنه قال: إذا اجتمع أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا" (1) . وقال كذلك"متى قلت لكم حدثني فلان، فهو حديثه لا غير، ومتى قلت قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سمعت من سبعين أو أكثر" (2) . كما أن إرسالهم للحديث لا يعني أنه منقطع، بل إنه مسند، ولا داعي-إذن- لإسناده إلا بطلب من السامع أو المستفسر لذلك"قال محمد بن إسحاق الإمام سألت يحيى عن هذا الباب فقال:"حديث إسرائيل عن أبي بردة عن أبيه عن النبي- صلى الله عليه وسلم - ، فأسنده وقد كانوا يحدثون بالحديث، فيرسلونه، فإذا قيل لهم عمن أسندوه" (3) . فالإرسال-إذن- كان من شيمة العصر خاصة وان الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن قد استفحل أمره، ولم تشع فكرة اتصال الحديث إلا بعد أن تداعت الفرق وأهل الأهواء بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولقد قال ابن سيرين"

"م كنا نسند الحديث إلا بعد أن وقعت الفتنة" (4) .

والملاحظ أن الإرسال معناه إسقاط الصحابي من السند، وطلب إسناد الحديث لازم لصحته، بحيث به يتمكن الدارس من معرفة مدى مكانة الراوي، أي هل هو معدل أم مجرح…؟

فما دام الإسناد يمكن من معرفة حال الراوي، ومادام الصحابي هو الساقط من السند، فإن حال الصحابة-كلهم-كما أجمع أهل العلم عدول، فلا داعي-إذن-للمطالبة بإيصال التابعي بالصحابي.

موقف الشافعي:

(1) -مالك: أبو زهرة، ص: 250.

(2) -نفسه.

(3) -بناء الفروع على الأصول: التلمساني، ص: 17.

(4) -مالك: أبو زهرة 251. تدريب الراوي 1/202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت