فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 262

الاختيار بين المتعارضين دعوى ذهب إليها الباجي، لكنه ذهب إليها عند تعذر الجمع بين المتعارضين"إن تعارض الخبرين على وجه لا يمكن الجمع بينهما فإن علم التاريخ عمل بالأحدث منهما وإن جهل التاريخ رجع إلى سائر أدلة الشرع، فإن عدم ذلك كان الناظر مخير في أن يأخذ بأيهما شاء…" (1) . والباجي باتباعه هذه الطريقة يكون قد أضرب مع أصحاب ابن حزم المباشرين والقائلين بالحظر العقلي ومع أبي داود القائل بالإباحة العقلية"إنه إذا لم يكن في العقل حظر ولا إباحة ولا استعمال أحدهما على وجه النسخ وعدمت أدلة الشرع على تلك الحادثة، ولم يكن بد من ترك الحادثة لا حكم فيها، والتخيير بين الحظر والإباحة ولا يجوز ترك الحادثة لا حكم فيها مع ورود الشرع، فلم يبق إلا أن يحكم بالتخيير" (2) .

إن هذا التخيير الذي لجأ إليه الباجي لحل مشكلة التعارض بين النصوص هو ما لا يقبله ابن حزم، فابن حزم يريد أعمال جميع النصوص لأنها كلها وحي ولأنها-كذلك- ليس فيا ما يعبر عن تفاضل بعضها على بعض، فهي ذات قوة واحدة"إذا كانت النصوص كلها سواء في باب الوجوب الأخذ بها، فلا يجوز تقوية أحدها بالآخر" (3) .

وهذا خلاف لجمهور الأصوليين الذين يؤمنون بترجيح النصوص وتقوية بعضها على بعض"الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدم، لأن ذلك كالمعتذر" (4) .

ولهذا فلا ضير أن تقدم الأدلة المرجحة بما يدل على قوتها"الترجيح في أخبار الآحاد يراد لقوة غلبة الظن بأحد الخبرين عند تعارضهما. والدليل على ذلك إجماع السلف على تقديم بعض الأخبار الآحاد على البعض الآخر" (5) ويتم ذلك على النحو التالي:

1-تقديم خبر مروى في قصة مشهورة عن أهل النقل على خبر منفرد.

(1) -إحكام الفصول: الباجي 258.

(2) -نفسه 258-259.

(3) -الإحكام: ابن حزم 2/40.

(4) -الموافقات: الشاطبي 1/16.

(5) -إحكام الفصول: الباجي 733.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت