عملية الترجيح هذه قد رفضها ابن حزم، فقد سبق أن قلنا إنه يرفض ترجيح المحدثين للأخبار المروية بطرق متعددة لأنها وإن رويت بروايات متعددة فهي واحدة"إن الخبر وغن روي من طرق ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك فهو كله خبر واحد.." (1) كما رفض قولهم فلان أعدل من فلان لأنه"لا معنى لتفاضل العدالة.. إذا لا نص ولا إجماع ولا دليل على مراعاة عدل وأعدل منه، وإنما للواجب العدالة فقط…" (2) ولم يفته-كذلك- أن يخطيء الأصوليين في ذهابهم مثل هذا المذهب، فخطأهم في الترجيحات التالية:
1-ترجيحهم لخبر معمول به على خبر غير معمول به، وهذا باطل، فليس في هذا الترجيح ما يدل على صدقه، فهو محجوج بإبطال العمل ولو فرض أنه حجة، فإن الخبر قبل العمل لا يخلو"أن يكون حقا واجبا أو باطلا، فإن كان حقا واجبا لم يزده العمل به قوة، لأنه لا يمكن أن يكون حق أحق من حق آخر وإن كان باطلا، فالباطل لا يحققه أن يعمل به" (3) .
2-ترجيحهم لحبر الأضبط والأتقن على خبر غيره وهذا خطأ، فليس في الشريعة ما يدل على تقديم خبر الأعدل ولا الأوثق على من دونه، فهذه إذن"دعوى لا برهان من نص ولا إجماع، وما كان كذلك فهو ساقط" (4) .
3-ترجيحهم لخبر رواه جماعة على من رواه منفردا، دعوى متناقضة"مع ظاهر القرآن الذي نقله أهل الأرض لخبر نقله واحد" (5) .
4-ترجيحهم خبر موافق لعمل أهل المدينة على خبر مخالف لعملهم وهذا فاسد من وجوه:
-أولها: أن المالكية لم يعرفوا عمل من يريدون.
-ثانيها: أن عمل المالكية مع الخبر لا يخلو إما أن يكون له أول وإما أن لا يكون له أول"فإن قالوا لا أول له جاهر بالكذب.. وإن قال: له أول قيل له يجب على قولك أن ذلك العمل الأول باطل لا يجوز اتباعه…" (6) .
(1) -الإحكام: ابن حزم 1/141.
(2) -نفسه 2/149.
(3) -الإحكام: ابن حزم 2/40.
(4) -نفسه 2/42.
(5) -نفسه.
(6) -نفسه 2/97.