إن هذه الأدلة سبقت مساق المسارعة إلى المغفرة لا إلى الفعل، هذا مع العلم أن النبي -ص- قد أخر بعض الأوامر كتأخيره للحج (1) .
جواب ابن حزم:
إن ما يراد من الآية هو المسارعة إلى الأعمال الموجبة للمغفرة"وقد أيقنا بقوله تعالى: { هل تجزون إلا ما كنتم تعلمون } (النمل: 90) أن أحدا لا يؤتى المغفرة إلا بعمل صالح يقتضي له وعد الله تعالى بالرحمة والمغفرة.. وعلمنا ذلك يقينا أن مراد الله تعالى بقوله: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } إنما هو سارعوا إلى الأعمال الموجبة للمغفرة من ربكم (2) ."
وأما تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - للحج"فقد حج عليه السلام قبل الهجرة ورآه جبير بن معطم واقفا بعرفة.. ويكفي من هذا كله أننا على يقين من الله تعالى أمره بتأخير الحج حتى يعهد إلى المشركين أن لا يقربوا المسجد الحرام (3) ."
دعوى الباجي: الأمر المطلق لا يقتضي الفور:
الدليل: لأن صيغة افعل لا تتضمن الزمان وإذا كانت فإذا وردت فلا ينبغي حملها على الفور (4) .
اعتراض على الباجي: الأمر إذا ورد وجب حمله على فعل واحد وإذا كان كذلك ففاعل الفعل إذا فعله في أول الوقت أدى ما أمر به وسقط عنه ما بعده (5) .
جواب الباجي: إذا أداه متراخيا فقد أدى الفعل بثاني الوقت وسقط عند الأول (6) .
اعتراض: إذا كان لفظ افعل يقتض الوجوب، فإنه لا يحمل على الوجوب إلا مع الفور.
جواب: إن تقديم الفعل لا تصير إليه إلا بدليل كما هو الشأن بالنسبة لتقديم الاعتقاد.
الجلسة الثانية حول دعوى أقل الجمع:
إن أصل طرح هذه الدعوى يعود إلى النص القرآني نفسه، فالنص كثيرا ما يخبر عن الاثنين بالجمع متجاوزا بذلك الصيغة التي وضعت للأفراد وللتثنية وللجمع، وهذا المشكل النصي هو السبب الرئيسي الذي أدى بالأصوليين إلى الاختلاف وبعدها إلى التناظر.
دعوى ابن حزم: أقل الجمع ثلاثة
(1) -نفسه.
(2) -نفسه.
(3) -نفسه 3/51.
(4) -إحكام الفصول: الباجي، ص ، ص: 212.
(5) -نفسه.
(6) -نفسه 213.