فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 100

عن دينه، واللهِ ليُتِمَّنَّ هذا الأمرَ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوْت [وفي رواية: إلى مكة] لا يخافُ إلاَّ اللهَ، أو الذئبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تستعجلون) [1] .

لقد كان رد النبي صلى الله عليه و سلم على شكوى خباب، الذي اشتد عليه عذاب الكفار، شافيًا، وذلك لاشتماله على مبدأ التشجيع .. والتشجيع مبدأ فيه سلوى وتخفيف، فقد وضّح له أن عذاب الذين سبقوه من المؤمنين كان أشد مما يلاقونه الآن، وذلك ليستثير صبره، ثم فتح له باب الأمل، بأن بشّره بمستقبل الإسلام، وانتشاره، وبسط الأمن والطمأنينة .. وهنا يظهر تصرف الرسول القدوة صلى الله عليه و سلم، حيث أفسد الأثر الذي تركته قريش في نفس خباب، وبالتالي فوت عليهم الفرصة، فرجع خباب أقوى إيمانًا مما كان عليه قبل مواساة الرسول صلى الله عليه و سلم له.

ـ ومما ساعد المسلمين على اجتياز هذه المحنة، التي أوقعهم فيها كفار قريش، الشعور بالمسؤولية، حيث كان الصحابة رضي الله عنهم يشعرون شعورًا تامًا بما على كواهلهم من المسؤولية الضخمة، التي لا يمكن الحياد عنها، أو الانحراف بحال، فالعواقب التي تترتب على الفرار من تحملها أشد ضخامة، وأكبر ضررًا عما هم فيه من الاضطهاد والعذاب [2] .

كما أنه كان للقرآن دور بارز في تهوين المتاعب، والمرارات التي كان يحسها الصحابة أثناء التعذيب، والاضطهاد، فيجدون فيه البلسم الشافي، إذ يحثهم على الصبر، ويوضح لهم ثواب الصابرين فيصبرون، ويوضح لهم مصير الزبانية، والمتكبرين فيسخرون منهم، ويحتقرون فعلهم، ويرشدهم إلى أن هذه الفتنة، وهذا الابتلاء، من طبيعة الطريق، وأنها شيء لابد منه، لتمييز الصادق من الكاذب: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) (البقرة: 214) .

ومن تبعات الإيمان، كما يوضح القرآن، الابتلاء والامتحان: (آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ـ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) . (العنكبوت: 1­3) .

وعلى هذا يمكن أن نلخص العوامل التي جابه بها المسلمون اضطهاد قيادة قريش، فيما يلي:

الإيمان بالله تعالى إيمانًا راسخًا ثابتًا .. التأسي بالرسول صلى الله عليه و سلم .. الدعاء وطلب الصبر والثبات من الله .. الشعور بالمسؤولية الملقاة على عاتق المؤمن .. الإيمان بالدار الآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب .. مصاحبة القرآن الكريم.

وما أحوج المسلمين اليوم، وهم يعانون ما يعانون من المحاصرة والاضطهاد، إلى الإفادة من السيرة، والتأسي بمواقف الرسول صلى الله عليه و سلم وأصحابه رضي الله عنهم، في مواجهة المخاطر والمؤامرات التي تحيط بدعوتهم.

(1) - رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة، ج 1 ص 543.

(2) - انظر الرحيق المختوم لصفي الرحمن، ص 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت