لقد قصدت قريش من هذا التعذيب، فتنة المسلمين، وصدهم عن دينهم ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، بدليل أن سيدنا عمّارًا لمّا تلفظ بكلمة الكفر تركوه، وأما الذين صمدوا وصبروا، فإما قتلوا تحت التعذيب، أو أعجزوا قريش صبرًا وتحملًا.
وفي موقف عمّار ملحظ له دلالاته .. فحين اشتد عليه العذاب، تلفظ بسب النبي صلى الله عليه و سلم مكرهًا، وقد جاء القرآن مستثنيًا من الكفر هذا التصرف، بل قال له الرسول صلى الله عليه و سلم: (إن عادوا فعد) .. وعلى ذلك يجوز للمسلم المداراة في حالة الإكراه، بشرط أن يبقى قلبه مطمئنًا بالإيمان، لكن ليس ذلك على إطلاقه، فإذا كان التلفظ ببعض الكلمات يلحق ضررًا بالغًا بالدعوة والمدعوين، ففي هذه الحالة، الصبر والثبات أولى .. والضرورات تقدر بقدرها.
ـ مجابهة المسلمين لاضطهاد قريش:
لقد كان لثبات وصبر الصحابة، وعلى رأسهم المصطفى صلى الله عليه و سلم، كبير الأثر على معنويات قريش، التي ضاقت ذرعًا بهذا الصبر والتحمل، الذي وقف سدًا منيعًا دون حصول قيادة قريش على ما تريد.
وثمة عوامل كانت وراء هذا الثبات العظيم، والصبر الجميل، على الأصناف والألوان المختلفة من العذاب، لعل من أهمها:
ـ دور الرسول صلى الله عليه و سلم، وذلك بعد الإيمان القاطع بالله، إذ ضرب لهم المثل بنفسه، فناله ما ناله من عذاب في سبيل الله، وفي ذلك سلوى للمسلمين، فعندما ينظرون إلى عذاب سيد البشر صلى الله عليه و سلم، يهون عليهم عذابهم، مما يدفعهم إلى الصبر والثبات تأسيًا به صلى الله عليه و سلم.
ـ ومما أعان الصحابة رضي الله عنهم على الصبر والتحمل، دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم لهم، فكان عندما يمر علىهم وهم يُعذبون، يدعو لهم، ويحثهم على الصبر، مبشرًا إياهم بالجنة، فكان يقول لآل ياسر: (صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة، اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت) [1] .. فهذا مما يعطي الصحابة دافعًا، وقوة معنوية لا تلين، ولا تركن للكافرين، فمات ياسر رضي الله عنه تحت التعذيب، ونالت سمية رضي الله عنها الشهادة.
ـ وتارة كان النبي صلى الله عليه و سلم يعد الصحابة بالنصر والتمكين، ضاربًا لهم المثل من الذين خَلَوْا من قبلهم، فعندما جاءه خباب رضي الله عنه، وسأله أن يدعو الله لهم كي يخفف عنهم هذا العذاب، أجابه بقوله: (كانَ الرَّجُلُ فيمَن قبلكم، يُحفرُ له في الأرض، فيُجعلُ فيه، فيُجاءُ بالمِنشارِ، فيُوضَعُ على رَأسِهِ، فيُشَقُّ باثنتين، وما يصدُّهُ ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديدِ ما دونَ لحمه من عظمٍ أو عَصَبٍ، وما يصدُّهُ ذلك
(1) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 56.