القادمة -إن شاء الله- بعد أن عم الطوفان، وانتشر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.
لذلك سوف يكون من الأولويات المطلوبة باستمرار، إعادة بناء وتسديد مسيرة هذه القاعدة، أو هذه النخبة، أو الطائفة التي تتحقق بالمرجعية الشرعية من خلال الكتاب والسنة، وتحقيق الأمن والحماية لها، أو بمعنى آخر تصوّب شهادة الرسول صلى الله عليه و سلم على نفسها، لتصبح مؤهلة للشهادة على الأمة والناس، استجابة لقوله تعالى: (ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) (الحج: 78) ، وتغطي الاختصاصات المتنوعة في شُعَب المعرفة، وتحقق الحضور والشهود والأنموذج الذي يثير الاقتداء في المواقع المختلفة، وتدرك سنن الله في السقوط والنهوض الحضاري، على مستوى الأمة والنخبة على حد سواء، وبذلك تصبح قادرة على مغالبة قَدَر بقَدَر، أو الفِرار من قَدَر إلى قَدَر أحب إلى الله، بحيث تبصر سنة الله في الذين خلوا من قبل، وتدرك أنّ هذه السنة قدر ممتد لا يتبدل ولا يتحول، قال تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ً) (الأحزاب: 62) . وقال: (ولن تجد لسنة الله تحويلا ً) (فاطر: 43) .. أي تبصر الماضي، وتستوعب الحاضر، لتستشرف المستقبل.
وقد يكون من المطلوب، ونحن بين يدي محاولات جادة لدراسة وتحليل جوانب من عطاء السيرة النبوية على أكثر من صعيد، ليكون ذلك محلًا للاقتداء والتأسي، وتقديم رؤية منهجية لبناء النخبة، واصطفاء الكفاءات للمهمات التي تتناسب معها، وتسديد مسيرة الأمة، وبيان سبيل بنائها لمشاريع النهوض، وأهمية التنبه لحماية منجزاتها في كل مرحلة، لتفيد من ذلك كله في حاضرها ومستقبلها، أن نقدم بعض المنطلقات والمفهومات، التي نراها ضرورية في إطار التأسي والاقتداء.
ولعل القضية الأهم، التي لابد أن نعرض لها ابتداءً، ونوضحها في مجال تصويب مسالكنا لتتحقق شهادة الرسول صلى الله عليه و سلم علينا، التي سبيلها التأسي والاقتداء، هي قضية بشرية الرسول صلى الله عليه و سلم، وحدود وأبعاد عصمته، ذلك أن من الأمور المقررة شرعًا وعقلًا وواقعًا، أن الرسول صلى الله عليه و سلم بشرٌ يُوحى إليه، وهي حقيقة أكدها القرآن الكريم، واعتبرها من الأمور المحسومة غير القابلة للتشكيك أو المساومة، لما للغفلة عنها من الأبعاد والآفاق والتداعيات الخطيرة، في مجال العقيدة والعبادة والسلوك.