سلم على خلق، ودين، وعلم، حيث أثروا في قومهم، ودخل على أيديهم جمع غفير من قومهم، فقد جاء أبو ذر بغِفار كلها مسلمة [1] .. وجاء الطفيل بن عمرو بسبعين بيتًا أو ثمانين من دوس [2] .. ومصعب ابن عمير أدخل الله على يديه في الإسلام، جل الأنصار [3] .
ـ أن يمتاز بقدر من الذكاء والحكمة:
المهمات الصعبة، كتحمل تبعات الدعوة، تحتاج إلى قدر من الذكاء والحكمة، للتصرف السليم إبان الظروف الصعبة والمواقف الحرجة، التي تصادف الداعية أثناء قيامه بأمر الدعوة، وتعامله مع أصناف متباينة من المدعوين، وهذا ما كان صلى الله عليه و سلم يراعيه في رسله .. وخير شاهد على ذكاء وحكمة من أرسلوا خارج مكة، ما حدث مع مصعب بن عمير رضي الله عنه، عندما قدم المدينة، وجاءه سيدان من الأنصار هما أُسيد بن حُضير وسعد بن معاذ، يريدان طرده وإخراجه من المدينة، يحمل كل منهما سلاحه، وتظهر عليهما علامات الغضب، فقد تصرف معهما مصعب بذكاء وحكمة، فكان يقول لكل واحد: هلاّ جلست فسمعت، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره، فكان جواب الرجلين: أنصفت. فكانت النتيجة أن أسلم أُسيد وسعد وأسلم بإسلامهما قومهما [4] .
ـ أن يكون مدركًا وملمًا بالناحية الأمنية للدعوة:
الحس الأمني مطلوب فيمن يقوم بأمر الدعوة، حتى يكتب له النجاح في دعوته، ولا يحبط عمله في أول الطريق. ولهذا لابد أن يكون حذرًا ومتيقظًا، مقدرًا للموقف وما يترتب عليه من تداعيات، في كل الحالات التي يتعامل معها .. فقد كان هذا الحس متوفرًا في أولئك الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه و سلم للدعوة خارج مكة، وكنا قد أشرنا إلى الحس الأمني لدى كل من أبي ذر والطفيل وغيرهما [5] . فالطفيل بدأ بدعوة أقرب الناس إليه، كما فعل المصطفى صلى الله عليه و سلم، وهو أول السلم في منهج الحماية في الفترة السرية، وكذلك فعل أبو ذر الغفاري. وقد أشرنا إلى ذلك في موضع آخر من هذا البحث [6] .
وهذا يعني أنه ينبغي على الدعاة، وهم يعملون لنشر الإسلام في أنحاء المعمورة، أن يراعوا تلك الصفات فيمن يمارسون الدعوة في أقطار العالم، وبخاصة تلك البلاد التي يدين غالبيتها بغير الإسلام .. إن الداعية
(1) - صحيح مسلم، باب إسلام أبي ذر.
(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 385.
(3) - الرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 171.
(4) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 436.
(5) - انظر المبحث الرابع: الحس الأمني لدى الصحابة، ص 48.
(6) - انظر جوانب الحماية في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للأقربين ص 36.