من بكر بن وائل. قال: (فكيف المنعة؟) قالوا: لا منعة. جاورنا فارس لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم ... قالوا: ومن أنت؟ قال: (أنا رسول الله) ، ثم انطلق [1] .
فقوة ومنعة القبيلة التي تحمي الدعوة، شيء ضروري ومهم، لابد منه، لأن هذه القبيلة ستواجه كل قوى الشر والباطل، فلابد أن تكون أهلًا لهذا الدور من حيث الاستعداد المعنوي والمادي، الذي يرهب الأعداء، ويحمي حمى الدعوة، ويتحمل تبعات نشرها، مزيلًا لكل العقبات التي تقف في طريقها.
ـ جوانب الحذر والحماية في إرسال دعاة خارج مكة:
الإسلام رسالة عالمية، جاءت للبشر كافة، فلا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود .. وتتطلب هذه العالمية أن ينتشر دعاة الإسلام في الأرض، كل الأرض، مبشرين ومنذرين، ومبلغين لدين الله، ولهذا أرسل قائد الدعوة صلى الله عليه و سلم، دعاة خارج مكة منذ بداية الدعوة، وقبل أن يستوي عودها، ويشتد ساعدها، ولقد كان صلى الله عليه و سلم يراعي جوانب أمنية معينة وصفات محددة في أولئك الذين كان يختارهم ويرسلهم في مهمات خارج مكة، لعل من أبرزها:
ـ أن يكون من أهل المنطقة المبتعث إليها:
يتضمن هذا الجانب عدة ميزات أمنية منها: سهولة التخاطب مع المدعوين، وسهولة إيصال المعلومة إليهم، بحكم معرفته بلسان قومه .. ولأهمية ذلك، ما أرسل الله رسولًا إلا بلغة قومه، قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) (إبراهيم: 4) .. كما أن الرجل وسط قومه، يكون ملمًا بعاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، وبناءً على ذلك يختار الأسلوب الدعوي الذي يناسبهم .. كذلك فإن الرجل وسط قومه لا يكون مثار شك، فيستطيع أن يقوم بالدعوة سرًا وسط قومه دون مراقبة أو متابعة، بخلاف الغريب. أضف إلى ذلك، الحماية التي قد يجدها الرجل بين قومه وعشيرته. لذلك بعث الرسول صلى الله عليه و سلم الطفيل إلى قومه دوس [2] ، وأبا ذر إلى قومه غفار [3] .
ـ أن يكون على خلق ودين وعلم:
لابد أن يكون المبتعث على درجة من الأخلاق الفاضلة، والتمسك بآداب الإسلام والفقه فيه، ففاقد الشيء لا يعطيه، ومن يمتاز بهذه الصفات يكون محل تقدير واحترام الجميع، مما يسهل عليه الاتصال بأفراد المجتمع من منطلق ذلك التقدير والاحترام، الذي اكتسبه من تلك الأخلاق والمعاملة الطيبة. والعلم ضروري وأساس، لأنه يتضمن المعلومات المتعلقة بالرسالة المراد تبليغها للناس. فقد كان الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه و
(1) - رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة.
(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 382.
(3) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 33.