فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 100

بن مالك رضي الله عنه: (وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا) [1] .. وقد ظهرت أهمية ونتيجة هذا الكتمان عندما جاءت قريش لتتقصى الخبر من صبيحة البيعة، فتولى الرد علىها مشركو الأنصار، وأقسموا على نفي حدوث البيعة [2] ، ولولا هذا الكتمان لانكشف أمر البيعة والمبايعين.

ـ الاحتياط في الحضور إلى مكان البيعة:

وضع الرسول صلى الله عليه و سلم خطة مأمونة دقيقة للحضور إلى مكان البيعة، فطلب من الأنصار أن يأتوا أفرادًا لا جماعة، حتى يجتمعوا جميعًا في العقبة، وأن يكون ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول، وأمرهم ألا ينبهوا نائمًا، ولا ينتظروا غائبًا [3] ، وقد طبق الأنصار هذه الخطة تمامًا، يقول كعب: (فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه و سلم نتسلل مستخفين تسلل القطا) [4] ، أي أفرادًا.

يتجلى لنا من تلك الخطة وتطبيقها، الاحتياط الأمني المحكم في كل جوانبها، فكونهم يأتون بعد ثلث الليل، فذلك وقت يكون الناس فيه قد استثقلوا في النوم، ولا يشعرون بحركة المسلمين يقول كعب: (فلما استثقل الناس في النوم تسللنا ... ) [5] ، بالإضافة إلى أن هذا الوقت يُمكِّن المجتمعين من إنجاز أمر البيعة، وهو وقت مريح .. ولو كان قبل ثلث الليل لكان عرضة للانكشاف، فمعظم الناس لم يخلد بعد إلى النوم أو لم يستثقل فيه، ولو كان بعد ثلث الليل، لكان قريبًا من الصبح، وبالتالي يصبح وقت الاجتماع ضيقًا، مما قد ينتج عنه عدم إنجاز أمر البيعة.

أما تسللهم أفرادًا، فهو زيادة في الحيطة والحذر، مما يجعل أمر اكتشافهم عسيرًا بخلاف ما لو خرجوا جماعات، فخروجهم أفرادًا لا يثير شكًا أو ريبة إذا حدث وأن شاهدهم أحد، فربما حسب أن الفرد منهم يقضي حاجته أو نحو ذلك، أما إذا كان الخروج جماعة فإن ذلك يثير الشك والريبة خاصة في مثل هذا الوقت من الليل، ومن ثم تأتي المراقبة والمتابعة، الأمر الذي يفضي إلى كشف أمر البيعة.

أما أمره صلى الله عليه و سلم بعدم إيقاظ النائم أو انتظار الغائب، فهو تحسب من أن يؤدي إيقاظ النائم إلى انتباه المشركين، هذا إلى جانب أن هذا الأمر يجعل كل المسلمين في حالة تأهب، فيعمل كل فرد منهم على ألا يتسلل النوم إلى عينيه مخافة أن يفوته ذاك الفضل، وهذا ينطبق على عدم انتظار الغائب، بحيث يحاول كل فرد من الأنصار ألا يتغيب أو يذهب بعيدًا في ذلك الوقت. لقد كان لهذا الأمر النبوي أثره الظاهر، حيث حضر الجميع في الزمان والمكان المحدديْن دون أن يتخلف أحد.

(1) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 157.

(2) - الوفاء بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، ج 1 ص 227.

(3) - الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 2 ص 98، ونور اليقين، محمد الخضري، ص 83.

(4) - الوفاء بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، ج 2 ص 225. القطا: طائر.

(5) - دلائل النبوة للبيهقي، ج 2 ص 446.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت