ـ التصرف السليم حيال الطوارئ:
حين صرخ الشيطان بأعلى صوته من رأس العقبة قائلًا: (يا أهل الجباجب -المنازل- هل لكم في مُذَمَّم والصُّبَاة معه قد اجتمعوا على حربكم) ، حينها أمر الرسول صلى الله عليه و سلم الأنصار بالانصراف والرجوع إلى رحالهم [1] .
هذا الأمر بالانصراف فور سماع صوت الشيطان، الذي كشف أمر الاجتماع، يعد تصرفًا أمنيًا، اقتضته ظروف وملابسات الحدث، لأن قريشًا غالبًا ما تكون بعد سماعه في حالة استنفار تام، وقد تقوم بمسح شامل للمنطقة، لتتأكد من هذه المعلومة .. وحتى يُفوِّت الرسول صلى الله عليه و سلم الفرصة على قريش أمر أصحابه بالانصراف، فانصرفوا إلى رحالهم، وأصبحوا مع قومهم.
وربما كان أقرب مثال لدور الشيطان، ما تقوم به شياطين الإنس ممن باعوا أنفسهم للشيطان، ليوقعوا بالمسلمين ودعاة الإسلام، ويغروا بهم الأعداء باسم التطرف والأصولية وغير ذلك من الصناعات والصيغ الشيطانية، لشل حركة العمل الدعوي.
ـ الأمر بانتخاب النقباء:
إن طلب الرسول صلى الله عليه و سلم من الأنصار انتخاب نقباء من بينهم، يدل على يقظة وفطنة المصطفى صلى الله عليه و سلم، فهو لا يريد أن يفرض عليهم أشخاصًا من غير شوراهم، كما أنه لم يسبق له التعرف عليهم حتى يعلم معادنهم، وربما حدد أشخاصًا كلهم من الخزرج أو الأوس فيؤدي ذلك إلى عدم رضاء طرف على آخر، ولتفادي تلك الاحتمالات وغيرها، ترك الرسول صلى الله عليه و سلم أمر اختيار النقباء للأنصار.
ـ توفر الحس الأمني لدى بعض من شهدوا البيعة:
تجلى الحس الأمني لدى العباس بن عُبادة بن نَضْلة الأنصاري وأسعد بن زرارة، في تأكيدهما على خطورة البيعة على قومهم، فقال العباس بن عُبادة: (إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهِكَتْ أموالُكُم مُصيبة، وأشرافُكم قتلًا، أسلمتموه، فمن الآن) ، فأجابوه: (فإنا نأخذه على مُصيبة الأموال وقتل الأشراف) [2] .
وقال أسعد قبيل البيعة: رويدًا يا أهل يثرب ... وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما تصبرون على ذلك فخذوه، وإما تخافون على أنفسكم خيفة فذروه [3] .
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 441، والسيرة النبوية لابن حبان ص 121.
(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 440.
(3) - المرجع السابق، ج 1 ص 440.