فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 100

جعله يسند له تلك المهمة، هذا ما حدث فعلًا، فلم يخبر قريشًا بالأمر، على الرغم من الإغراء المادي الضخم، الذي قدمته قريش لمن يدل على محمد صلى الله عليه و سلم .. وهذا دليل على نقاء معدن الرجل، وصِدْقِ فِرَاسة الرسول صلى الله عليه و سلم [1] .

ـ كتم خبر الهجرة:

من الضروري جدًا لإنجاح أي مهمة حساسة كالهجرة، أن يكون أمرها طي الكتمان، لأن ذيوع خبرها يؤدي إلى اكتشافها، وبالتالي فشلها، وكلما كان الأمر محصورًا في عدد قليل جدًا، كلما كانت فرصة تسربه واكتشافه ضئيلة ونادرة.

لذا نجد أن النبي صلى الله عليه و سلم قد كتم أمر الهجرة عن أصحابه إلا عن قلة قليلة، قال ابن إسحاق: (ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه و سلم حين خرج إلا عليّ وأبو بكر وآل أبي بكر) [2] ، ونلاحظ أن هذه القلة كانت لها أدوار معينة تقوم بها، ولولا ذلك لما أخبرهم الرسول صلى الله عليه و سلم بأمر الهجرة.

المطلب الثاني: جوانب الحيطة والأمن فيما قام به أبو بكر رضي الله عنه

لقد قام أبو بكر رضي الله عنه بدور بارز وكبير في الهجرة، وشارك رسول الله صلى الله عليه و سلم في حسن الإعداد لها، وقد صاحب هذا الإعداد عدة جوانب حذرة ويقظة، كان من أبرزها:

ـ تهيئة وسيلة الهجرة:

فلا ريب أن رحلة طويلة كرحلة الهجرة من مكة إلى المدينة تحتاج إلى وسيلة معدة ومهيئة، تناسب طبيعة الأرض والمناخ، وهذا ما فعله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، فحين علم بأن النبي صلى الله عليه و سلم سوف يهاجر حبس نفسه على رسول الله صلى الله عليه و سلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر [3] .

فالإبل تُعد أنسب وسيلة سفر في الصحراء إبان ذلك العصر. فهي حيوان صحراوي، يتحمل طبيعة الصحراء القاسية بماله من صبر وقوة تحمل، وذلك لما أودعه الله فيها من خصائص، فالجمل يصبر أيامًا لا يشرب، وهذا ضروري جدًا للرحلة، لأنها تمر عبر طريق غير مأهولة، يندر فيها الماء، كما أن السير في رمال

(1) - انظر المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، ص 196.

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 485.

(3) - انظر دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 473.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت