فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 100

ـ التمويه في مبيت علي رضي الله عنه في فراشه صلى الله عليه و سلم:

قال النبي صلى الله عليه و سلم لعلي بن أبي طالب: (نم في فراشي، وتسج ببردي هذا، الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم) ، وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينام في برده ذلك إذا نام [1] .

لقد كان تصرف النبي صلى الله عليه و سلم بتوجيه عليّ للنوم في فراشه، وتسجيه ببرده، تصرفًا سليمًا حكيمًا، إذ في ذلك تمويه تقتضيه ظروف وملابسات الموقف، وقد ظهرت حكمة وحنكة ذلك التصرف حينما قال الرجل الذي رأى سيدنا محمدًا صلى الله عليه و سلم خارجًا من بيته، قال لأفراد المهمة: (خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، أما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليًا على الفراش، متسجيًا ببرد رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائمًا عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا) [2] .

هذا التمويه، فوت على قريش فرصة إدراك رسول الله صلى الله عليه و سلم .. وهو مع حماية ربه له، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يأخذ بأسباب الاحتياط البشري الذي يملكه .. وما أحوج المسلمين إلى إدراك واجبهم في الإعداد لمواجهة العدو، رغم اعتمادهم الأول والأخير على الله تعالى، وألا يعتادوا إحالة ضعفهم، وتقصيرهم على القدر، متوجعين على تأخر نصر الله تعالى [3] .

ـ اختيار الدليل:

كان من مستلزمات الإعداد للهجرة، الخبرة الكافية بالطريق من حيث القصر والطول، والبعد عن المسالك المعروفة والمألوفة، حتى يكون الركب بعيدًا عن العيون، لذا استأجر الرسول صلى الله عليه و سلم دليلًا ماهرًا عالمًا بآمن وأقصر الطرق بين مكة والمدينة المنورة، وهو عبد الله بن أريقط، وكان على دين قريش [4] ، وذلك حتى لا يضلا الطريق، أو يسلكا طريقًا معروفًا، مما يجعلهما عُرضة لمطاردات قريش.

ولنا وقفة مع عبد الله بن أريقط المشرك، الذي قاد ركب الإيمان إلى المدينة .. فالعبرة هنا في التعامل مع المشركين، وتسخيرهم لخدمة الدعوة بمقدار ما أمن جانبهم، وعليه فيمكن للمسلم التعامل مع غيره وفق مستوى عدائه لهذا الدين.

إن المنطق الظاهري يقتضي عدم اختيار عبد الله بن أُريقط دليلًا لأخطر هجرة في تأريخ الدعوة، لأنه مشرك، ولكن تقدير الرسول صلى الله عليه و سلم لشخصه بأنه أمين وصادق، لا يمكن أن يبوح بهذا السر،

(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 483.

(2) - المصدر السابق، ج 1 ص 483.

(3) - انظر المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، ص 189.

(4) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 485.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت