وخرجا من الغار في دروب وعرة يقصدون المدينة، وتبعهما سراقة بن مالك، فساخت أرجل فرسه في الرمل وطلب منهما الأمان فأجاباه وكتبا له كتابًا بذلك، فأصبح يخذِّل عنهما بعد أن كان يريد أن يردهما إلى مكة.
وفي خيمة أم معبد، يحل الرسول ³ ضيفًا ليتزود بشيء من الطعام يتقوى به على طول الطريق فتقول لهم أم معبد إنها لا تملك في يومها ذاك شيئًا ويرى الرسول ³، شاة عجفاء عزباء يستأذنها في حلبها فتأذن له. فيدر ضرعها وتشرب أم معبد حتى ترتوي ويشرب أبوبكر وعبداللهلله بن أريقط، دليل الرحلة، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق الذي كان يضلل الكفار برعى الغنم أمام الغار حتى تخفى آثار عبداللهلله بن أبي بكر الذي كان يأتيهما بأخبار قريش. وشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحلب ثانية حتى ملأ الإناء لها مرة ثانية.
ولما بلغ الأنصار خروجه من مكة كانوا يخرجون إلى الحرة ينتظرونه، ودخل ³ المدينة يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من بعثته وكان أول من رآه رجل من اليهود، كان على سطح أطَمة (بناء مربع مرتفع) فنادى بأعلى صوته: يابني قيلة، هذا جَدّْكم الذي تنتظرون. فخرج الأنصار في سلاحهم وحيوه بتحية النبوة وبما يستحق من الإجلال والإكبار، وكان ذلك يومًا مشهودًا في تاريخ المدينة والإسلام. استقبله أصحابه ³، استقبالًا طيبًا يليق بمقام النبوة، ما من بيت في المدينة إلا وقد تمنى أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، نزيله. فرح غامر ملأ القلوب، وكان ترديد النساء والصبيان والإماء"هذا رسول الله قد جاء قد جاء".