فهرس الكتاب
عطف الخاصّ على العامّ؛ لاختصاصها بما يفارقها من سائر أشكالها، وأنها كالداهية الدهياء، نسأل اللَّه العافية منها بفضله، وعميم طَوْله. انتهى (١) .
وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قوله: "إنها ستكون فتنٌ إلخ" هذا كله تضمّن الإخبار عن وقوع فتن هائلة عظيمة بعده -صلى اللَّه عليه وسلم-، والأمر بالكفّ عنها، والفرار منها. انتهى (٢) .
(الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا) ؛ أي: يجعلها غاية سعيه، ومنتهى غرضه، لا يَرَى مَطلبًا غيرها، ولام الغرض و "إلى" الغاية متقاربان معنى، فحينئذ يستقيم التدرج والترقي من الماشي فيها إلى الساعي إليها. (أَلَا) أداة تنبيه، أعادها لمزيد التوكيد، (فَإِذَا نَزَلَتْ) ؛ أي: الفتن، أو تلك الفتنة، وقوله: (أَوْ وَقَعَتْ) "أو" للشكّ من الراوي، هل قال: "نزلت" ، أو قال: "وقعت" ، (فَمَنْ كَانَ لَهُ) ؛ أي: في البرية (إِبِلٌ، فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ) ؛ أي: عَقار، أو مزرعة بعيدة عن الناس، (فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ ") فإن الاعتزال، والاشتغال بخُويصة نفسه حينئذ واجب؛ لوقوع عموم الفتنة العمياء بين الرجال، كما قال الشاعر [من البسيط] :
إِنَّ السَّلَامَةَ مِنْ لَيْلَى وَجَارَتِهَا … أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَى حَالٍ بوَادِيهَا
(قَالَ) أبو بكرة (فَقَالَ رَجُلٌ) لم يُسمّ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ) ؛ أي: أخبرني (مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ، وَلَا غَنَمٌ، وَلَا أَرْضٌ؟) ؛ أي: فأين يذهب؟ أو كيف يفعل؟ (قَالَ) -صلى اللَّه عليه وسلم-: (" يَعْمِدُ) بكسر الميم؛ أي: يقصد (إِلَى سَيْفِهِ) ؛ أي: إن كان له سيف، (فَيَدُقُّ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر؛ أي: يضرب (عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ) المعنى: فليكسر سلاحه، كيلا يذهب به إلى الحرب؛ لأن تلك الحروب بين المسلمين، فلا يجوز حضورها.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قيل: المراد: كسر السيف حقيقةً على ظاهر الحديث؛ ليسدّ على نفسه باب هذا القتال، وقيل: هو مجاز، والمراد: ترك القتال،