و بالتالي اتضح لي لدى التحقيق أنه لا توجد في رسائل بولس أي عبارة أو نص صريح قاطع في تأليه للمسيح، بمعنى اعتباره الله تعالى نفسه الذي تجسد و نزل لعالم الدنيا، بل على العكس، نجد في رسائل بولس، نصوص واضحة و محكمة لا تحتمل أي تأويل، تؤكد أن عقيدة الرجل كانت توحيدية محضة، حيث يؤكد على تفرّد الله تعالى (الآب) بالإلهية و الربوبية و الخالقية و استحقاق العبادة، و أنه وحده الإله الخالق الحكيم القدير بذاته، الذي لم يُرَ و لا يُرَى، الذي أبدع المخلوقات لوحده و أوجد جميع الكائنات بمن فيهم المسيح نفسه، الذي يعتبره بولس بكر كل خليقة، أي أول مخلوقات الله عز و جل، و يصرح بولس بأن الله تعالى إله المسيح و سيده.
نعم يعتقد بولس أن الله تعالى، خلق بالمسيح و فيه سائر الكائنات، أي ينظر للمسيح بمنظار اللوجوس في الفلسفة الأفلوطينية الحديثة التي ترى ـ حسب نظرية الفيض ـ أن اللوجوس (العقل الكلي) هو أول ما فاض عن المبدأ الأول (الله ) و به و فيه وجدت سائر الكائنات، فبولس يرى أن المسيح هو ذلك الكائن الروحي الوسيط الذي فاض عن الله و به و فيه خلق الله سائر الكائنات، و اتخذه الله ابنا حبيبا و جعله الواسطة بينه و بين خلقه، ثم صيره في آخر الزمن، في الميعاد المقرر أزلا، إنسانا بشرا، و أرسله لخلاص بني الإنسان، بعمله التكفيري العظيم، الذي تجلى ـ حسب قول بولس ـ بآلامه و سفك دمه و موته على الصليب، تكفيرا لخطايا البشر و فداء لهم بنفسه، فكرمه الله تعالى لأجل ذلك، و مجَّده و رفع قدره فوق كل الكائنات و أجلسه عن يمينه فوق عرشه (يتفق النصارى هنا على تنزيه الله تعالى عن حدود المكان و الزمان و يفهمون هذه العبارات على نحو غير تجسيمي ) و جعله شفيعا للمؤمنين و قاضيا و حاكما بينهم يوم الدين، ثم ليخضع في النهاية لأبيه الروحي و خالقه و إلهه: الله تعالى الذي هو ـ حسب تعبير بولس ـ الكل في الكل.