الصفحة 28 من 36

وغير ذلك؛ وسوف نتناول بعضها؛ ليتضح لنا -بالأمثلة- مدى رعاية الإسلام للحريات.

أ- حرية التفكير أو الحرية الفكرية.

جاء الإسلام فوجد الناس مكبلين في أغلال الآبائية، قد عصبت الجاهلية أعينهم وطمست آذانهم، وأسدلت أستار الجهل على قلوبهم؛ فلا يرون حقا إلا ما أملت عليهم، ولا يرون صوابا إلا ما دلتهم عليه، فإذا دعوا إلى جديد لم يعرفوه أو جيد لم يألفوه قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] فعمد القرآن إلى تلك القيود فكسرها, وإلى تلك الأستار فمزقها، ثم أماط عن عين الإنسانية الكسل وعن قلبها الوهن، ووكزها في ظهرها وكزة البعث؛ لتدب الحياة في أوصالها التي شلت، ولتنطلق انطلاقتها الكبرى إلى آفاق الرشد والحضارة.

وها هو القرآن يحطم القيود ويهتك الأستار، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .

وها هو القرآن يطلق العقل من أسره ليحلق في سماء الفكر والبحث والنظر:

{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الروم: 8] {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران: 191، 190] {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185] .

وما عاتب القرآن الناس على الفكر والنظر مطلقا، وإنما عاتبهم ولامهم ووبخهم على تعطيل الفكر والنظر، وها هي صيحات الإيقاظ تتخلل القرآن، قال تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا} {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا} {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا} {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ} .

فهذه العبارات القرآنية تلومهم على عدم التعقل وعدم التفكر وعدم النظر.

بل إن القرآن الكريم يجعل الإيمان ثمرة التفكير، فكثيرا ما يسوق المشاهد، ويستعرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت