الصفحة 29 من 36

الآيات الكونية ثم يعقب، فيقول تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

ولقد بلغ القرآن في هذا حد أنه تحدي المعارضين بحقائقه ثم رسم لهم طريق مقابلتهم لهذا التحدي، وهو أن يتفكروا بمنتهى الحرية وأن يستجمعوا كل طاقاتهم الفكرية الحرة، فمن ذلك قول الله - عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} [سبأ: 46] -أي: قل لهم: إنما أعظكم بخصلة واحدة، وهي أن تقوموا مثنى- بأن يتحاور كل اثنان منكم في أمر محمد- وفرادى -بأن يتفكر كل واحد منكم وحده- فإن صدقتم في هذا فستعلمون أن ليس بمحمد جنون كما زعمتم. [1]

ومن أجمل الأسس التي يقررها القرآن هنا أن الاختلاف طبيعة بشرية؛ يقول الله - عز وجل - {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 119] فهذه الآية يفهم منها أن هناك جزء من الاختلاف مقدر على البشر، وداخل في طبيعتهم، وعلى هذا الأساس بني الإسلام جانبا كبيرا من الحرية الفكرية، مما جعل العلماء لا يثربون على من أخطأ في إصابة الحكم الفقهي إذا ما اجتهد في إعمال الفكر، وذلك استنادا إلى هذه الآية، والي حديث: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» [2] ومن هنا قالوا إن إجماع العلماء حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة.

ولقد شهدت الساحة العلمية في الدولة الإسلامية اتساعا عظيما للمذاهب الفقهية المختلفة التي قد تختلف في الحكم الواحد إلى ما يزيد على عشرة أقوال، ولا حجر على أحد من الناس أن يعتقد أيها شاء ما دام باحثًا عن الحق معتمدا للدليل.

ولا يوجد في الإسلام نص يحجر على العقل أو يقيد الفكر، اللهم إلا النصوص التي تحظر النظر فيما لا طاقة للعقل به ولا ثمرة لإعمال الفكر فيه، وذلك كالتفكر في ذات الله، ومحاولة استكناه الغيبيات، وهذه حسنة من حسنات هذا الدين، لو تيقظت لها البشرية مبكرا

(1) راجع تفسير الطبري (م 12 ج 22 ص 126) والبغوي (1/ 405) والبيضاوي (4/ 405 - 406) .

(2) صحيح: رواه البخاري ك الإعتصام بالكتاب و السنة باب أجر الحاكم أذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم"6832" (ج11ص5492) ، ومسلم ك الأقضية باب أجر الحاكم أذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم"3246" (ج5ص2246) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت