الفساق كوجوبه مع العدول، وسائر الآية الموجبة لفرض الجهاد لم يفرق بين فعله مع الفساق ومع العدول الصالحين، وأيضا فإن الفساق إذا جاهدوا فَهُم مطيعون في ذلك) [1] .
? وقال ابن حزم - بعدما ذكر حديث «إن الله ينصر هذا الدين بقوم لا خلاق لهم» وحديث «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» - قال: (فهذا يبيح الاستعانة على أهل الحرب بأمثالهم وعلى أهل البغي بأمثالهم من المسلمين الفجار الذين لا خلاق لهم، وأيضا فإن الفاسق مفترض عليه من الجهاد ومن دفع أهل البغي كالذي افترض على المؤمن الفاضل فلا يحل منعهم من ذلك، بل الغرض أن يُدْعَوا إلى ذلك) [2] .
وقد أجاز أهل السنة والجماعة الغزو مع الأمير الفاجر على تفصيل في ذلك، فإن جاز الخروج مع الفاجر متبوعا، فخروجه تابعا أولى.
? وقد أسهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذا، ومما نقلته عنه في الباب الثالث قوله: (فإن اتفق من يقاتلهم على الوجه الكامل فهو الغاية في رضوان الله وإعزاز كلمته وإقامة دينه، وطاعة رسوله، وإن كان فيهم من فيه فجور وفساد نية بأن يكون يقاتل على الرياسة أو يتعدى عليهم في بعض الأمور، وكانت مفسدة ترك قتالهم أعظم على الدين من مفسدة قتالهم على هذا الوجه: كان الواجب أيضا قتالهم دفعا لأعظم المفسدتين بالتزام أدناهما، فإن هذا من أصول الإسلام التي ينبغي مراعتها.
ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فأنه لابد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه - إلى أن قال رحمه الله - فإذا أحاط المرء علما بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الجهاد الذي يقوم به الأمراء إلى يوم القيامة، وبما نهى عنه من إعانة الظلمة على ظلمهم: عَلِمَ أن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض جهاد من يستحق الجهاد، كهؤلاء القوم المسئول عنهم، مع كل أمير وطائفة وهي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي ا لله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
(1) - المجموع شرح المهذب ج 19 ص 279
(2) - المحلى ج 11 ص 113، 114