عدم تشريع الجهاد في ذلك العصر، لكن ذلك ليس هو العلة التي يدور معها وجوب الجهاد وجودًا وعدمًا.
أن القول بعودة الحكم حال الضعف إلى ما كان عليه الحال في العصر المكي، يعني ترك الإعداد للقتال أيضا لأنهم في مكة لم يكونوا مطالبين به، والأمر بالإعداد إنما نزل في المدينة بعد تشريع القتال، وهذا ما لا يصح لما تقرر من أنه في وقت سقوط الجهاد للعجز يلزم الإعداد له كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية [1] .
? أما ادعاء العصمة للكفار إذا لم تكن للمسلمين شوكة ومنعة، فهذا من الإحداث في الدين، وأما مسألة عصمة الدماء فقد نوقشت في المبحث الأول من الفصل الثاني، ومسألة الشوكة والمنعة نوقشت في الرد على الشبهة الرابعة فليرجع إليها.
والاستشهاد بما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم تجاه الكفار بالعهد المكي هو كقول بعض من كانوا يسمون بجماعات التوقف الذين يقولون إننا نعيش في عصر استضعاف كالعهد المكي فيجب علينا أن (نأخذ الأحكام على مراحل كما كان متبعًا في أول الإسلام، وهو البدء بما نزل في مكة بالنسبة لعهد الاستضعاف الذي نعيش فيه حاليًا، فإذا تمكنت الجماعة من الوصول إلى السلطة وحكمت بالإسلام أخذت بما نزل في المدينة في عهد التمكين وأما العصر الذي نعيش فيه فهو عصر استضعاف فلا تحرم المشركات ولا الذبائح(أي ذبائح المشركين) ولا تجب صلاة الجمعة ولا العيدين ولا يجوز الجهاد بل يجب كف الأيدي وعدم رد العدوان وغير ذلك من الأحكام التي لم تنزل إلا بالمدينة في عهد التمكين) [2] .
وهم يعتبرون ذلك جزءًا من العقيدة (فيكفر من أنكر مراحلها، وبالتالي يكفر من لجأ إلى القوة في عهد الاستضعاف، ولهذا كان منهم من صرح برأي خاص في كفر سيد قطب - رحمه الله- لأنه في نظرهم شرع في الأخذ بالقوة ... ) [3] .
وشر من هذه البدعة بدعة المدعو محمود طه السوداني-الذي قتل في عصر النميري _ والذي كان يزعم أيضًا أننا ملزمون فقط بالقرآن المكي ويسميه قرآن الأصالة، وعليه فلا زكاة الآن ولا جهاد، والخمر ليست حرامًا والأصل هو سفور المرأة لا حجابها وغير ذلك من الأباطيل [4] ، وهذا ضلال ما بعده ضلال.
(1) - مجموع الفتاوى: (28/ 259) .
(2) - الحكم وقضية تكفير المسلم للمستشار سالم البهنساوي ص:29.
(3) - المصدر السابق: نفس الموضع.
(4) - راجع المصدر السابق ص: 32.