الواجب مع الله ... ) [1] .
فالأمر كله مجرد اجتهاد ولا يمكن القطع بأن الضعف هو وحده السبب في عدم مشروعية الجهاد في العصر المكي.
ومعنى ذلك أن هناك أمورًا عدة يمكن اعتبارها عند البحث عن الأسباب التي لأجلها منع القتال في العصر المكي، فلماذا يعتبر الضعف وحده علة يدور معها الأمر بالكف والصفح وجودًا وعدمًا؟
وما سبقت الإشارة إليه من أن القول بأن ضعف المسلمين هو السبب في عدم مشروعية الجهاد في العصر المكي هو بحث في حكمة التدرج في التشريع لا في علة الحكم، فهو كقول عائشة في بيان سبب تأخير نزول الأحكام، ومنها التدرج في تحريم الخمر، فنحن نعلم أنها لم تكن محرمة أول الأمر ثم حرمت وقت الصلاة فقط ثم حرمت تحريمًا كليًا وكان هذا الحكم ناسخًا لما قبله، ولا شك أن عدم تحريمها أول الأمر له أسبابه التي يوضحها مثل قول عائشة رضي الله عنها: ( ... إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدًا ... ) [2] .
فعائشة رضي الله عنها تبين السبب في تأخير نزول الأحكام ومنها تحريم الخمر، وهو أن الناس في بدء إسلامهم لم يكونوا مهيئين لذلك، وأنه كان من الحكمة الإلهية أن يؤخر نزول الأحكام إلى ما بعد اطمئنان نفوسهم بالتوحيد ومعرفة الجنة والنار، قال الحافظ ابن حجر: (فلما اطمأنت النفوس على ذلك أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندعها، وذلك لما جبلت عليه النفوس من النفرة من ترك المألوف) [3] .
ولكن هذا السبب الذي ذكرته أم المؤمنين لتأخير نزول الأحكام لا يعني أنه إن عاد ذلك السبب عاد الحكم كما كان أولًا، فإذا دخل اليوم في الإسلام أحد الغربيين ممن اعتاد الخمر وألفها إلْف العرب لها في الجاهلية أو أشد، فإنه لا يجوز أن نتدرج معه في تحريم الخمر، بل هو مطالب من أول يوم دخل فيه الإسلام بالعمل بآخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن هذا الرجل قد وُجد فيه نفس السبب الذي كان لأجله التدرج في تحريم الخمر.
فعائشة لا تتكلم عن علة تحريم الخمر والزنا وغيرهما من الأحكام، ولا تتكلم حتى عن الحكمة من تشريع تلك الأحكام، وإنما تتكلم عن الحكمة من تأخير نزول هذه الأحكام، وكذلك يصح القول في قضية الجهاد إن ضعف المسلمين في العصر المكي هو الحكمة من
(1) - المصدر السابق: (2/ 713 - 714) .
(2) - أخرجه البخاري (4993) .
(3) - فتح الباري (9/ 40) .