ست حِكم أخرى حيث قال ما ملخصه:
? ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد ومن أهداف تلك التربية تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به ليخلص من شخصه ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره.
وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف والتي قد يدفعها القتال معها في مثل هذه الفترة إلى زيادة العناد.
ربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة تعذب المؤمنين بل كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه.
ربما كان ذلك لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الله المخلصين.
وربما كان ذلك لأن النخوة العربية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم، فابن الدغنة مثلًا لم يرض أن يترك أبا بكر يهاجر ويخرج من مكة ورأى في ذلك عارًا على العرب، وعرض عليه جواره وحمايته.
وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة ويبقى الشرك.
في الوقت ذاته لم تكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها؛ لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا وقتها ومحققًا وهو وجود الدعوة في شخص الداعية صلى الله عليه وسلم، وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع [1] .
وكان الأستاذ سيد قد قدم لذلك بمقدمة ذكر فيها أن ما سيقوله في ذلك ما هو إلا اجتهاد يخطيء ويصيب وأنه قد يكون وراء ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله، وأن شأن المؤمن أمام أي تكليف أو أي حكم لم يبين الله سببه محددًا جازمًا حاسمًا أنه (مهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف ... فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال ولا يجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله- بأن ما رآه هو الحكمة التي أرادها الله نصًا، وليس وراءها شيء وليس من دونها شيء فذلك التحرج هو مقتضى الأدب
(1) - انظر الظلال: (2/ 714 - 715) .